«لم نغلق الباب أمام 2018». ذلك ما قاله وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، أواخر شهر آذار/ مارس الماضي، لدى سؤاله عن موعد الطرح العام الأولي لشركة النفط السعودية العملاقة «أرامكو». قبلها بحوالى خمسة أشهر، رأى الفالح أن لا مؤشرات إلى أن الطرح الأكبر في العالم سيتجاوز موعده الذي كان مقرراً في النصف الثاني من العام الجاري. لكن تلك التقديرات لا يبدو أنها ستُترجم على أرض الواقع في ظل تتالي المؤشرات إلى أن بيع 5% من أسهم «أرامكو» سيتأجل إلى النصف الأول من عام 2019 على أقرب تقدير، إن لم تكن السعودية قد توصلت إلى قناعة بلا جدوى الإدراج في الخارج بحسب ما يقرأ بعض المحللين الاقتصاديين في سلوك المملكة بشأن هذا الطرح الذي يمثّل ركيزة رئيسة من ركائز «رؤية 2030».

أول من أمس، كشفت وكالة «بلومبرغ» الأميركية عن تدهور أرباح أنشطة المصب في «أرامكو»، في النصف الأول من عام 2017، مقارنةً بنظيراتها العالمية. إذ لم يتجاوز صافي تلك الأرباح، وفق بيانات محاسبية، 842 مليون دولار، مقارنةً بخمسة مليارات دولار لشركة «شل»، و4.7 مليار دولار لشركة «إكسون موبيل». تدهورٌ يمكن أن يُقرأ سبباً في تراجع الرياض عن فكرة الإدراج خلال السنة الحالية؛ بالنظر إلى أن أنشطة المصب، التي يُعنى بها صناعات التكرير والمعالجة والبتروكيماويات، تمثّل عنصراً رئيساً في تأمين الموقف المالي للشركات الكبرى خصوصاً في حال انخفاض أسعار النفط الخام، وبالتالي فإن تدنّي أرباحها مقارنة بأرباح أنشطة المنبع التي يُقصد بها التنقيب وإنتاج النفط الخام قد يدفع المستثمرين الأجانب إلى الإحجام عن شراء أسهم «أرامكو» حال طرحها في البورصات العالمية.
عامل الإقلاق هذا يُضاف إليه هاجس آخر متمثل في أسعار النفط، التي ترجو السعودية استقرارها عند مستوى 70 دولاراً للبرميل على الأمد البعيد، حتى تتمكن من تنفيذ الإدراج في الوقت الذي تكون فيه القيمة السوقية لـ«أرامكو» عند أفضل مستوياتها. وعلى الرغم من أن أسواق النفط لا تزال تتلقى دعماً، بفعل تزايد التوترات في الشرق الأوسط، وإمكانية تجدد العقوبات على إيران، إلا أنّ الرياض تبدو معنية بتحليل منحنى الأسعار في المستقبل، وهو ما يحملها بالضرورة على تأجيل الطرح العام الأولي. يعزّز مخاوف المملكة تفاوت تقديرات القيمة السوقية لعملاقها النفطي بين المسؤولين السعوديين، وبين الخبراء العالميين. إذ تراهن السعودية على قيمة تتجاوز تريليونَي دولار، بما يعود عليها - حال تنفيذ الإدراج - بمئة مليار دولار. لكن متخصصين غربيين في شؤون النفط لم يتجاوزوا في تخمينهم قيمة «أرامكو» حدود 1.3 تريليون دولار، في حين رأت «بلومبرغ» أن تلك القيمة لن تتعدّى في أحسن الأحوال، مستوى تريليون دولار واحد.

تقدّر السعودية القيمة السوقية لـ«أرامكو» بتريليونَي دولار


بفعل كل هذه المخاوف، يظهر أن ثمة قراراً غير معلَن إلى الآن بتأجيل بيع أسهم «أرامكو» حتى العام 2019، وفق ما كشفته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، الإثنين الماضي، نقلاً عن مسؤولين سعوديين في حديثهم إلى نظرائهم البريطانيين. وفي تلميح إلى احتمال تخلّي السعودية عن فكرة الطرح الخارجي من أصلها، قالت الصحيفة إن «الاستعداد للإدراج في بورصة أجنبية بشكل متزامن أو لاحق (للإدراج في سوق الأسهم السعودية «تداول») كانا محلّ نقاش». يعزّز الحديث المتقدم أن ثمة مخاوف جادة لدى السعودية من تنفيذ الطرح الخارجي في بورصة نيويورك، على اعتبار أن خطوة من هذا النوع قد تعرّضها لدعاوى قانونية على خلفيات كثيرة. هذا ما أقرّ به، أخيراً، وزير الطاقة السعودي، في حديثه إلى شبكة «سي أن أن» الأميركية، حيث قال إن «الدعاوى مصدر كبير للقلق في الولايات المتحدة... وبصراحة أرامكو كبيرة جداً، ومهمة جداً للمملكة، و(يجب أن لا) تتعرّض لمثل هذه المجازفة». وذكّر الفالح بقرار مدينة نيويورك مقاضاة 5 شركات نفطية كبرى بسبب تأثير منتجاتها في الاحتباس الحراري، واصفاً الاتهامات المُوجّهة إلى شركات النفط بأنها «عبثية».
بناءً على ما تقدم، تظهر بورصة لندن التي وصفها الفالح بأنها «واحدة من الأفضل في العالم، ولها قواعد منظمة جيداً، ونحترمها» الخيار الأنسب لتنفيذ الإدراج الخارجي. لكن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، يفضّل طرح أسهم «أرامكو» في بورصة نيويورك، إرضاءً لإدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي كان قال إنه «سيقدّر كثيراً اختيار السعودية لبورصة نيويورك لطرح الاكتتاب»، معتبراً ذلك «أمراً مهماً للولايات المتحدة». إلا أن ما لا يتنبّه إليه ابن سلمان، على ما يبدو، أنه إذا كانت العلاقات الأميركية - السعودية في «أفضل أحوالها» اليوم، فإنها قد لا تكون كذلك في المستقبل، وهو ما يجعل من مسألة الطرح في بورصة نيويورك نوعاً من المخاطرة على المدى البعيد، في ظل مزاج أميركي عام غير متودّد إلى السعودية. وعليه، هل يستطيع الفالح، غير المتحمس للطرح في «وول ستريت»، إقناع أميره بالعدول عن رغبته، أو حتى بالاكتفاء بالطرح الداخلي؟
إلى الآن، يظهر أن ثمة مناقشات داخل السعودية حول ما إذا كان بيع أسهم «أرامكو» في أسواق المال العالمية «فكرة جيدة» وفق ما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أواخر الشهر الماضي، لكن القرار الأخير يبقى لمحمد بن سلمان، الذي لم يحجزه شيء عن المضي في «مغامرات» أخرى، وبالتالي فلا ضمان بتراجعه عن «مجازفة أرامكو» التي يصف خبراء «بيعها» بأنه أشبه ما يكون بـ«بيع السعودية».