بعد دعوة الأمين العام لجبهة التحرير الوطنيّ إلى ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، إلى ولاية رئاسيّة خامسة في عام 2019، جعل الظهور الرسميّ للرئيس الجزائريّ، الأسبوع الماضي، الأمر شديد الاحتمال. في الأثناء، تغذّي هذه الفرضيّة القلق في سياق أزمة متعدّدة الأبعاد، تشمل النظام السياسيّ والأحزاب والنُخب. أما المطالب الاجتماعيّة الخصوصيّة والقطاعيّة التي تطرحها مجموعات مختلفة، فتبقى مُجزّأة وخافتة سياسيّاً بسبب ضعف هياكل التعبئة، ولكن بخاصّة بسبب غياب فاعلين قادرين على الدفاع عن مصالحها الاجتماعيّة.

هذه الأزمة تشمل أيضاً التمثيل الثقافيّ، أي مواكبة «المثقّف» لتطورات المجتمع، والإنصات إلى نبضاته والانخراط في ميدان الصّراعات الاجتماعيّة. وتحيل علاقة المثقّف الجزائريّ بمجتمعه وإقصاؤه في اللاوعي الجمعيّ من لعب دور يضفي المعنى وينتج المعرفة، على مجمل تاريخ هذه العلاقة. فمنذ الاستقلال، يشير غياب رموز منخرطة في تاريخ الحركة الاجتماعيّة إلى سيادة نموذجين في الحقل الثقافيّ: المثقّف المرتبط «عضويّاً» بالسلطة، ومن ورائه المثقّف المنفيّ، فيما يجمع بينهما الانفصال عن المجتمع.
من بين التفسيرات المتقدمة لتأويل الدواعي البنيويّة لهذه الأزمة والأسباب التي جعلت النُخبة الثقافيّة، بصفتها بديلاً، عاجزة عن إيجاد فضاءات ضمن النظام الناشئ، يركن عالم الاجتماع الجزائريّ ناصر جابي، إلى الأطروحة القائلة بـ«ثنائية المجتمع الجزائريّ» وانقسام نُخبه حول المسألة اللغويّة. وفي حوار مع «الأخبار»، يشرح الأستاذ الجامعيّ أنّ المجتمع الجزائريّ هو «المجتمع الوحيد في العالم العربيّ الذي أنتج ثنائية على مستوى النُخب. المثقفون الفرنكوفونيّون، وهم متخصّصون في الإدارة التقنيّة، ورثوا قطاع الاقتصاد والتكنولوجيّات الجديدة، وفي مواجهتهم يوجد العروبيّون الذين أُسندت إليهم الأنشطة المرتبطة بالثّقافة، الأيديولوجيا، والدِّين».

يركن ناصر جابي إلى الأطروحة القائلة بـ«ثنائية المجتمع»


بالنسبة لجابي، فُرض على المثقفين الامتثال لهذا التقسيم، إذ يشير إلى أنّه «ليس للمثقف العروبيّ أيّ شرعيّة لتولي المشكلات الإداريّة التي تقع ضمن اختصاص الفرنكوفونيّ، ولا صدقية للأخير عندما يعبّر عن رأيه في مسائل مجتمعيّة، تخصّ الثقافة أو الدّين».
إذا كان صائباً من الناحية التاريخيّة أنّ إدارة المُلكية العموميّة سُلمت إلى النُخب الفرنكوفونيّة التي شغلت مناصب حسّاسة ضمن جهاز الدولة، فإنّ ذلك الوضع حدده السّياق الموضوعيّ: تحدّيات الاستقلال، الفراغ الناشئ عن المغادرة الواسعة للأوروبيّين والتراجع الحادّ للمؤشرات الاقتصاديّة في بلد أنتج فيه النظام الاستعماريّ نسبة أميّة تبلغ 98 في المئة ولم يوجد به في عام 1962 سوى 2500 مُتعلّم جامعيّ جزائريّ، مشتتين على امتداد العالم، لإدارة دولة تتكوّن من 10 ملايين ساكن وقيادة الإدارات والمنشآت العموميّة. في سياق الحالة الطارئة لإقامة شروط سيادة الدولة الجزائريّة وتحقيق تحرّر الشّعب وتسريع تنمية موارده، تأثّر تقسيم العمل نفسه بالانقسامات الاجتماعيّة والثقافيّة.
«الكادرات» الذين تكوّنوا في فرنسا، تمّ إدماجهم في حركة بناء الدولة وصار يُنظر إلى الفرنسيّة بصفتها لغة ترقّي اجتماعيّ تخوّل النفاذ إلى إدارة الأعمال وأصبحت علامة اجتماعيّة شديدة الفعاليّة. بيد أنّه «حتى سنوات الثمانينات، كان المثقفون الفرنكوفونيّون مستائين من جبهة التحرير الوطنيّ وغير مبالين بها، وكانوا ينظرون إلى أنفسهم كمتصرفين تكنوقراطيّين، وهو ما أضعف طبقة المثقفين وكذلك الدولة التي صارت تُصوَّر كمجموعة من القطاعات وليس كجسد واحد»، يقول ناصر جابي. وقد سمحت إستراتيجيّة التعريب التي أطلقها الرئيس هواري بومدين، بترقّي «نخبة عروبيّة» كُلِّفت بإدارة الأنشطة المرتبطة بالتعليم، الثقافة والدّين.
في كتابه «الاستثناء الجزائريّ: الدمقرطة على محكّ المجتمع»، يُسلّط عالم الاجتماع الجزائريّ جمال غريد، الضّوء على الدور المحوريّ للمدرسة في إنتاج وإعادة إنتاج هاتين الفئتين. يقول: «جميع الاندماجيّين كانوا يحملون حصراً ثقافة مدرسيّة فرنسيّة وكان جميع المناصرين للأصالة تقريباً حاملين لثقافة عربيّة. وقد لعبت المدرسة العليا للأستاذة في بوزريعة دوراً رئيسيّاً في صناعة نخبة من المُدرسين شكلوا في الوقت نفسه قاعدة النّزعة الحداثيّة وطليعتها».
لكن، بالنسبة لناصر جابي، يندرج إقصاء «دور المثقّف» ضمن استمراريّة إرث حركة التحرير. «في حركة الاستقلال الوطنيّة الراديكاليّة التي تمثلت في حزب الشعب الجزائريّ، جرى طرح مشكلة المثقّف. تاريخيّاً، لم يساند سوى عدد قليل من المثقّفين المحترفين الفكرة الوطنيّة، وعند انخراطهم في الحركة، وجدوا أنفسهم داخل صُهارة مختلفة يمسك الإدارة ضمنها مثقّفون مقربون من الحركة النقابيّة العماليّة ولهم مستوى تكوين متوسّط. بذلك، صار المثقّف كاتباً، يتلخص دوره في تحرير بيانات وتقارير، ولا تقع مسؤوليّة أخذ القرار بصفة عامّة ضمن نطاقه داخل هذه الحركة».
على رغم ذلك، لا يمكن حصر المثقّف في حدود تكوينه أو ممارسته لعمله، فهو يُصغي إلى انتظارات المجتمع ويرافق حركة التغيّير الاجتماعيّ والسياسيّ، ويتحدث باسم المضطهدين بانخراطه في الصراع. لقد لعب «حزب الشعب الجزائريّ» دوراً مركزيّاً في توعية الجماهير وتجذير حركة التحرير الوطنيّ حتى الوصول تدريجاً إلى القطع مع نظام استعماريّ كان بحكم طبيعته غير قابل للإصلاح، على رغم أنّ عدداً من «المثقّفين المحترفين» كانوا مقتنعين، كما يشير غريد، بالأسس الموضوعيّة للحلّ التفاوضيّ مع السلطات الاستعماريّة، واعتقدوا في إمكانيّة إجراء «إصلاحات».