الجزائر | بعد ثلاثة أشهر من قيام الجمهورية الجزائرية، زار الرئيس أحمد بن بلة في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1962، الولايات المتحدة الأميركية واستُقبل رسمياً وشعبياً بشكل نادراً ما استُقبِل به رئيس آخر في البيت الأبيض. سار على السجاد الأحمر جنباً إلى جنب مع الرئيس كيندي، وخاطبه الأخير بلغة الود وعرض عليه خدمات بلا حدود للنهوض بالبلد وتجاوز الدمار الذي خلفته الحرب بأقرب وقت.

كانت الولايات المتحدة قد أطلقت قبل تلك الزيارة أكبر جسر جوي وبحري باتجاه الجزائر لنقل المساعدات المختلفة من مواد غذائية ولباس وأغطية ووقود وتجهيزات لتوفير الماء والكهرباء وما إليها مما يحتاج إليه سكان بلد تحطم بنسبة كبيرة. لكن بن بلة، وهو في طريق العودة، حطّ في كوبا حيث خاطب فيدل كاسترو الرفيق، مديناً الإمبريالية التي تحاصر «جزيرة الحرية»، وأعلن أنّ صديق كوبا هو صديق للجزائر، وأنّ عدوها هو عدو للجزائر.
ما قاله بن بلة في كوبا لم يكن مجاملة ولا نزوة شخصية، بل كان التوجه العام للجزائر وقتها. فانتهاج الاشتراكية لم يُفاجئ أحداً في هذا العالم. وكان ذلك تحصيل حاصل على اعتبار أنّ الثورة قامت ضد مستعمر في أعلى مراحل الرأسمالية ومن ساند المستعمر هي الدول الرأسمالية ضمن «الحلف الأطلسي» ومن ساعد الثورة من خارج المنطقة العربية هي البلدان الاشتراكية في السياق العام لكفاحها ضد الرأسمالية ومن أجل إرساء نظام اقتصادي اجتماعي مغاير.
وفي الفترة التي تلت الاستقلال مباشرة، حصلت خلافات كبيرة بين الفرقاء حول مسائل تتعلق بطريقة بناء الدولة والأولويات ومكانة الجيش وخلافات أخرى شخصية وذاتية نابعة من كون معظم القيادات التي تقود عملية إعادة البناء شباب بين العشرينيات والثلاثينيات، عادوا منتصرين من أشرس حرب استقلال في زمانها، ويحمل كل واحد منهم طموحاً بأن يرى البلد يكبر بسرعة ويكون هو من ضمن المساهمين فيه. لم يتخرج هؤلاء في الجامعات ولم يكونوا نقابيين لامعين، بل قليل منهم من اطلع على الأدبيات الاشتراكية. لكن المناخ الثوري العام هو الذي حدد توجههم.
الخلافات بينهم أدت في أحيان كثيرة إلى صدامات وإلى قطيعة وإلى تحدّ وسجون واقتتال. لكنْ ثمة اتفاق حول الموضوع الرئيسي وهو طبيعة الحكم. فالكل لا يعرف غير الاشتراكية نهجاً، وصوّت المجلس التأسيسي بالإجماع على لائحة تخص طبيعة نظام الحكم. بل حتى من غادروا الحكم بفعل تلك الخلافات، أسسوا أحزاباً معارضة بتوجه اشتراكي. فقد أسس حسين آيت احمد حزباً باسم «جبهة القوى الاشتراكية»، وهو زعيم كبير كان في الثانية والعشرين حين قاد الجناح المسلح لـ«حزب الشعب» بغرض التحضير للثورة، وكان تحت قيادته ثلاثة آلاف مسلح آخر الأربعينيات. أيضاً، أسس محمد بوضياف، وهو الرئيس الأول لـ«جبهة التحرير» التي أعلنت الثورة في بداية تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، حزباً معارضاً باسم «حزب الثورة الاشتراكية»، كما أسس مصطفى بن محمد، القائد الآخر في «حزب الشعب»، تنظيماً سياسياً باسم «المنظمة الاشتراكية للعمال» وهي التي تحولت إلى «حزب العمال» حالياً. وذلك بالإضافة إلى «الحزب الشيوعي» الذي تأسس عام 1936، وانصهر في التنظيم الثوري «جبهة التحرير» خلال حرب الاستقلال، وعاد الى النشاط عام 1962 بإحيائه جريدة «Alger républicain» التي حاول نظام الرئيس أحمد بن بلة، أن يجعل منها اللسان المركزي لـ«جبهة التحرير الوطني» التي تمّ الاتفاق بأن تكون الحزب الحاكم. وكانت الجريدة الأكبر في البلاد والأكثر قدرة على أداء دور مؤثر في التنظيم والتحريض والدعاية. لكن الجريدة توقفت بأمر من السلطات بعدما رفضت تأييد الانقلاب العسكري الذي قاده وزير الدفاع هواري بومدين، على أحمد بن بلة، في 19 حزيران/ يونيو 1965. ولم يكن ذلك الانقلاب لتغيير طبيعة الحكم، بل جاء لاختلاف وجهات النظر في نفس النهج.
واصل هواري بومدين، الذي صار رئيساً حكم البلاد 13 عاماً، التوجه ذاته، وشهدت فترته أكبر الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية بقيادة الدولة. وبنى قطاعاً عمومياً قوياً في الصناعة، ووزعت الأراضي على المزارعين في شكل تعاونيات وقاد الرئيس نفسه حملة كبرى بعنوان «من أجل نظام اقتصادي عالمي جديد» يقضي على الهيمنة الرأسمالية. وانخرطت كل القوى الاجتماعية ذات المصلحة في الثورة في عملية البناء الوطني، وفي مقدمتها الشيوعيون المنظمون في «حزب الطليعة الاشتراكية»، أكثر «قوى الاقتراح» نشاطاً ونفوذاً.
كان البلد يسير بنظام الحزب الواحد، علناً، لكنّ الجميع يعرف أنّ عدداً كبيراً من إطارات «حزب الطليعة» يوجدون في مواقع مسؤولية، وذلك إلى أن وقعت الانتكاسة بوفاة الرئيس هواري بومدين، وإدخال خلفه الشاذلي بن جديد تغييرات كسرت الإنجازات وهمشت القوى التي بنتها، ودفعت البلاد إلى الإفلاس وإلى الحرب الأهلية. ثم نشأ جيل يتساءل بسذاجة وعن جهل «لماذا اختار الثوار طريق الاشتراكية؟»، ولا يعلم أنّ الجواب بسيط جداً: ساروا على ذلك النهج يا ولد لأنهم ثوار.