التسريبات والتصريحات تومئ إلى تطور خطير محتمل في مسار الأزمة السورية. تسريبات صحيفة «وول ستريت جورنال» كشفت، وتصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، أكدت، اتصالات جارية الآن لإرسال قوات عربية إلى سوريا محل القوات الأميركية المقرر سحبها بأقرب وقت. الفكرة ليست جديدة، فقد اقترحتها السعودية على إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، غير أنه تجاهلها.

يصعب الادعاء بأنّ الرياض أقنعت إدارة دونالد ترامب بما عجزت فيه مع سلفه، فقد أعلن عزمه أكثر من مرة على إنهاء الوجود العسكري الأميركي في سوريا وتحميل دول الخليج جميع الأعباء المالية لأيّ عمليات عسكرية، كما حدث في الضربة الثلاثية.
بنص تصريحات الجبير: «السعودية مستعدة لتحمل حصتها من الأعباء المالية مع حلفائها في المسألة السورية». المعنى بكل وضوح: قوات بديلة تتحمل الأعباء المالية وتخضع للإشراف العسكري الأميركي بكل متطلباته السياسية على نحو يكاد يقارب ما أسند لقوات «سوريا الديموقراطية» الكردية في الرقة وأماكن أخرى، كأنها بيادق على رقعة شطرنج يحركها البيت الأبيض من دون أن يكون لها رأي ومشورة.
أخطر ما كشفته الصحيفة الأميركية أن هناك اتصالات تجرى من أطراف عربية مع شركة «بلاك ووتر» المتخصصة في جلب عسكريين مرتزقة إلى مواطن الصراعات والحروب. المرجح أن صاحب فكرة الاستعانة بـ«بلاك ووتر» السيئة الصيت، شأن جماعات المرتزقة المسلحة، هو جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي الجديد، متأثراً بتجربته العراقية عندما كان يعمل قريباً من إدارة جورج دبليو بوش.
كانت جرائم «بلاك ووتر» في العراق المروعة بحق المدنيين العزل أحد أوجه السقوط الأخلاقي والسياسي للحرب، التي دمرت بلداً عربياً جوهرياً وتركته نهباً لجماعات العنف والإرهاب والصراعات المذهبية.
القصد، الآن، أن تكون هناك قوات عربية بديلة تتولى إدارة عملياتها قوات مرتزقة متخصصة في ذلك النوع من الحروب وأن يمتنع عن السوريين أي أمل في تجاوز محنتهم بأي وقت منظور. ذلك ينتهك أي معنى ويبتذل كل قيمة لمشروع «القوة العربية المشتركة».
هناك فارق جوهري بين طلب المنعة العربية حسب اتفاقية الدفاع العربي المشترك والانخراط في أعمال أقل ما توصف به أنها مخجلة.
في بدء ولايته الأولى، طرح الرئيس عبد الفتاح السيسي فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة لردع أيّ تهديدات محتملة. تلخصت المشكلة، وقتها، في سؤالين رئيسيين: من العدو؟... وأين الجبهة؟ وتبدت تباينات جوهرية في النظر إلى الأزمتين السورية واليمنية وفي توصيف التنافس الإقليمي مع إيران أوقفت أيّ احتمالات للمضي في المشروع المصري.

إذا كانت الرياض قد أطلعت القاهرة فهذه مأساة، وإذا لم تفعل فهي كارثة


مع بدء العمليات العسكرية في اليمن، التي سميت «عاصفة الحزم»، أعلنت السعودية موافقتها على ذلك المشروع أثناء القمة العربية في شرم الشيخ. كانت تلك مناورة استهدفت في توقيتها إضفاء طابع عربي على «عاصفة الحزم» وأنّ أكبر دولة عربية (هي) من ضمن التحالف الذي تقوده السعودية. لم تتورط القاهرة في حرب اليمن بأثر خبرة الستينيات رغم نبل دوافعها في انتشال بلد عربي شقيق من القرون الوسطى إلى العصور الحديثة.
كان ذلك تقديراً سليماً لحقائق الموقف حيث يكاد يستحيل أي حسم عسكري فوق تضاريس قاسية تحت تعقيدات سكانية وخرائط تحالفات متحولة. وقد دفعت السعودية ثمناً باهظاً اقتصادياً واستراتيجياً بالإفراط في استخدام القوة دون أفق حل سياسي، وأخلاقياً بالنظر إلى بشاعة الأحوال الإنسانية اليمنية التي تتجاوز الكوابيس.
بعد وقت لم يطل، جرى التقويض النهائي للمشروع المصري بإنشاء قوة عسكرية مشتركة على نحو غامض ومثير، ففي اليوم الذي تقرر فيه التوقيع على البروتوكولات بمقرّ الجامعة العربية من رؤساء أركان الجيوش المنضمة إلى تلك القوة، ألغي الاجتماع إلى وقت غير معلوم بطلب سعودي.
بصورة أو أخرى، أبدت السعودية، التي تمتلك قدرات مالية هائلة، تطلعاً إلى دور عسكري قيادي في الإقليم لا تتوافر مقوماته على حساب دول أكثر سكاناً وأقوى تسليحاً وتدريباً وجاهزية.
كان لافتاً أن تعلن من طرف واحد عن «تحالف عسكري إسلامي» تحت قيادتها، وقد أخفق قبل أن يولد، حيث أعلنت باكستان وتركيا اعتراضهما على الانخراط فيه.
لمن القيادة العسكرية؟ هذا سؤال مكتوم في كل المساجلات والاتصالات. بحقائق حسابات القوة العسكرية، لا يصح لأيّ دولة عربية أن تمانع في القيادة المصرية. هناك من يتصور أن الأوضاع الاقتصادية المصرية الصعبة مبرر كاف للحديث باسمها دون استشارتها، أو الوقوف على رأيها، كما هي الحال الآن في الاتصالات الجارية بشأن قوة عربية عسكرية بديلة في سوريا.
لم تكن تلك أول مرة تخرج فيها الرياض عن أصول العلاقات بين الدول في ملف الحرب والسلام، وهذه قضايا أمن قومي على درجة عالية من الخطورة والحساسية. إذا كانت قد أطلعت القاهرة فهذه مأساة، وإذا لم تكن قد أطلعتها فهذه كارثة.
كيف تحول ما هو أصيل وطبيعي ومشروع في طلب إنشاء قوة عربية مشتركة إلى ما هو مصطنع وغير طبيعي وغير مشروع؟ إنه طلب الانتقام بغض النظر عن حجم المخاطر المحدقة ومستقبل الوطن السوري نفسه.
كانت الجامعة العربية، التي يفترض أنها بيت العرب، عاجزة تماماً عن بناء أيّ تصورات مشتركة لها القدرة على تغيير المعادلات. في البداية، ران الصمت على جنباتها ثم أخذت تبدي الانزعاج وتتبنى دعوات الحوار بين الفرقاء السوريين، قبل أن تستقبل معارضين في مقرها، انتهت إلى الفشل. أرسلت بعثة مراقبة انتهت إلى فشل آخر. أخيراً، جمدت عضوية سوريا وأحالت الملف كله إلى مجلس الأمن.
كان ذلك خطأ فادحاً أفضى في محصلته الأخيرة إلى تهميش أدوار العالم العربي في الملف السوري. قبل فترة سأل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اثنين من كبار الدبلوماسيين المصريين السابقين، التقاهما في موسكو بدواعي صداقات قديمة: «إلى متى يبقى المقعد السوري شاغراً؟». بالإجماع الدبلوماسي الدولي، لا حسم عسكرياً ممكناً للأزمة السورية وأن الحل الدبلوماسي وفق «صيغة جنيف» لا بديل سواه، غير أن الضربة الثلاثية التي لم تسفر عن أي تعديل في الموازين السياسية والعسكرية تجعل من الصعب الرهان على أي تسوية قريبة.
ما بين فشل الضربة الثلاثية وإلحاح دولها على العودة إلى التفاوض، تتبدى عبثية القوة العسكرية العربية البديلة. فلا هي قادرة على الحسم ولا هي طرف جوهري في التفاوض.
قبل عامين، بالضبط، قال الرئيس المصري أمام مجموعة من المثقفين في قصر «الاتحادية»: «لن نتورط في إرسال أي جنود إلى اليمن ولا إلى سوريا ولا إلى أي مكان آخر». هذا ما تودّ مصر أن تسمعه من جديد لقطع الطريق على أي ضغوط محتملة توريطاً لها في ما هو ضد أمنها القومي.
*كاتب وصحافي مصري