تونس | تدخل تونس، اليوم، في يومها الثالث ضمن ما يُعرف بتعليق الدروس أو الإضراب المفتوح عن التدريس في التعليم الثانوي، الذي أقرته النقابة التابعة لـ«اتحاد الشغل» إثر رفضها منذ بداية السنة الحاليّة تسليم أعداد الامتحانات للإدارة، مطالبةً بالترفيع في المنح المادية للمدرّسين وتمكينهم من التقاعد المبكّر.

ويبدو أنّ رئيس الحكومة يوسف الشاهد، يستغلّ هذا المشهد أمام الرأي العام لإظهار «اتحاد الشغل» على أنّه لا يدافع عن حقوق التونسيين، ولتضييق هامش المناورة على هذه المركزية النقابية التي تطالب بإسقاطه بعد تأكدها من أنّه سينفّذ حرفيّاً إملاءات «صندوق النقد الدولي». وأصبح من الواضح أنّ حكومة الشاب يوسف الشاهد، استغلّت تصعيد نقابة الثانوي (التابعة للاتحاد)، أو هي دفعتها عملياً نحو ذلك التصعيد، بهدف إضعاف موقف المركزية النقابية الرافض قطعاً لتوجهات الحكومة بتنفيذ إملاءات «صندوق النقد» أو ما تطلق عليه حكومة الشاهد في تونس تسمية «الإصلاحات الكبرى» التي لا بد من أن تشمل بيع جزء من المؤسسات العمومية، بما فيها البنوك، والرفع التدريجي للدعم عن المحروقات. وهذا لا يُخفى عن قيادات «اتحاد الشغل» المخضرمين الذين كانوا قد انطلقوا في الحشد ضدّ توجّهات الحكومة.
المركزية النقابية كانت رافضة بداية لقرار نقابة الثانوي في 11 كانون الثاني/ جانفي بعدم تسليم أعداد امتحانات «السداسي الأول» للإدارة (الذي يسفر عن عدم التمكن من احتساب معدّلات التلاميذ) لعلمها أنّ ذلك القرار سيكبّلها ويحرجها أمام التونسيين في الوقت الذي تواصل فيه المواجهة التي تبرز ضمنها خطابات قيادات المركزية النقابية، وخاصة الأمين العام نور الدين الطبوبي، المشددة على أنّ «الاتحاد سدّ منيع» أمام البيع في الممتلكات العمومية وإخضاعها لتوجهات الحكومة النيوليبرالية التي ستعمّق تدهور المقدرات الشرائية لدى التونسيين وتنتهي بتفقيرهم.

وصل المشهد العام إلى ما كانت تتوقّعه المركزية النقابية تماماً


رفض النقابة المركزية كان قد أُعلِن صراحةً عقب سحب «قرار حجب أعداد الامتحانات على امتحانات السداسي الثاني»، استناداً إلى رفض رئيس الاجتماع سمير الشفّي، التوقيع على «مواصلة حجب الأعداد» باعتبار أنّ قانون العمل في تونس يفرض أن يكون أي قرار بالتحرك (سواء أكان إضراباً أم غيره من التحركات الاحتجاجية) موقّعاً من طرف المركزية النقابية التي يرأس عضو منها بالضرورة أي اجتماع للهيئات الإدارية (تتكون من أعضاء مكتب التنفيذي لنقابة الثانوي والكتاب العامين في الجهات).
لكنّ نقابة الثانوي القوية خالفت قياداتها وواصلت في نهج التصعيد لتمرّ من مجرّد حجب أعداد الامتحانات إلى تعليق كلّي للدروس، أي الإضراب المفتوح عن العمل، وذلك برغم محاولة رأس المركزية نور الدين الطبوبي، تفادي الأمر عبر إقناع الهيئة الإدارية للتعليم الثانوي في 3 نيسان/ أفريل بعدم اتخاذ أي قرار ومنحه مهلة من 10 أيام لعلّ مساعيه التي كانت قد انطلقت تصل إلى إقناع وزارة التربية، ومن ورائها الحكومة بالجلوس معهم من دون شروط للنظر في مطالبهم. وهذا ما حصل فعلاً، لكن الطبوبي جوبه برفض الحكومة وبتهرّب واضح من رئيس الحكومة يوسف الشاهد، الذي يعلم جيّداً أن المركزيّة النقابية تطالب بتغييره، وتشبّث بعدم التفاوض مع نقابة التعليم الثانوي قبل تخلّيها عن قرار «حجب أعداد الامتحانات». أخذ الشاهد هذا التوجه في ظل إدراكه، كما الجميع في تونس، أنّ من المستحيل أن تتخلى أي نقابة عن تحرّك أقرته قبل التفاوض والتوصّل إلى اتفاق يلبّي حداً أدنى من المطالب، ولكن من الواضح أنّه كان يدفعها إلى مزيد التصعيد.
هذا المشهد، وصل تماماً إلى ما كانت تتوقّعه المركزية النقابية عند انتهاء مهلة العشرة أيام وإعلان نقابة الثانوي في 13 نيسان/ أفريل أنها قرّرت تعليق الدروس، وهو ما انطلقت فعلاً في تنفيذه منذ يوم الثلاثاء الماضي. وفي المقابل، تواصل الحكومة رفض التفاوض مع نقابة الثانوي، رغم طرق الطبوبي لكل الأبواب بغية ألا يجد «اتحاد الشغل» نفسه في الزاوية ومحرجاً بسبب قرار النقابة التابعة له.
في هذا الوقت لن يتفجر صراع داخلي من شأنه إضعاف المركزية النقابية التي تستعدّ لمعركة صدّ تنفيذ «الإصلاحات الكبرى». لكن الطبوبي نبّه التونسيين أول من أمس، بالتوضيح لهم: «الحكومة توظف ملف التعليم وتستعمله مطيةً للضغط من أجل تسوية ملفات كبرى نتيجة اختلافات جوهرية وعميقة مع الاتحاد حول الخيارات التي يجري التلويح بها بخصوص القطاع العام... كذلك إنّ تعنت الحكومة التي تضع في سابقة أولى من نوعها في تاريخ التفاوض، شروطاً وقيوداً للتفاوض، هو الذي أدى إلى زيادة تأزم المشكل».