تونس | أقلّ من أربع وعشرين ساعة بعد إقدام محمد البوعزيزي على إضرام النار في جسده، كان كافياً ليستنفر أهالي سيدي بوزيد في الوسط التونسي، فتغصّ بهم الشوارع المقابلة لمقرّ الاتحاد الجهوي للشغل في المدينة، ومقرّ المحافظة. منذ تلك اللحظة، تطابق المشهد في المحافظات التونسيّة الأربع وعشرين حتّى يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011، تاريخ إعلان الاتحاد العام التونسيّ للشغل الإضراب العام في البلاد. وما إن أسدل الليل ستاره، حتّى كان زين العابدين بن علي يبحث عن منفى يستقبله.

مرّة أخرى، يعود الاتحاد العام التونسي للشغل ليتصدّر اهتمامات الشارع التونسيّ مع تفاقم الأزمة بين النقابة العامة للتعليم الثانوي التابعة لمنظّمة الشغيلة من جهة، ووزارة التربية من جهة أخرى. مناخ متوتّر اعتاده النقابيّون منذ عقود في مواجهة الدولة «اليعقوبيّة» (الشديدة المركزية) التي شكّلتها منظومة الحكم في تونس منذ إعلان الجمهورية في تموز/يوليو عام 1957 والتي تتعامل على مضض مع خصم طرح نفسه منذ تأسيسه ممثّلاً عن الفئة الأوسع من الشعب وتموقع منذ عام 2011 لاعباً رئيسيّاً في المشهد السياسيّ.
بين الجولات المكوكيّة لقيادات الاتحاد في مختلف المحافظات وخطابات التعبئة والتصعيد، وبين حملات إعلاميّة تشيطن النقابة التعليميّة والقيادات النقابيّة، تُغيِّب شريحة مهمّة من الشارع التونسيّ الدور الأساسيّ الذي لعبته هذه المنظّمة في كسر الحصار على العمل السياسي المناوئ لحكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن عليّ وسلفه الحبيب بورقيبة. بل تتعالى الأصوات شيئاً فشيئاً في الفضاءات العموميّة ووسائل الإعلام لتُحمّل الاتحاد العام التونسي للشغل مسؤوليّة المصاعب التّي يعاني منها القطاع العام والاقتصاد المحليّ ككلّ.
نفس هذه الفئة تنسى، أو تُحاول أن تُسقط من ذاكرتها قسراً، أنّها كانت في الشرفات تهمس إعجاباً بدور الاتحاد حين كانت الساحات والمقارّ الجهويّة لهذه المنظّمة تغصّ بالنقابيّين والحقوقيّين ونشطاء أحزاب المعارضة خلال الفترة الممتدّة بين 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 و14 كانون الثاني/جانفي 2011. هي تتناسى أيضاً أنّه لولا دور الاتحاد العام التونسي للشغل مع الأساتذة والمعلّمين، لكان التونسيّون يجترّون ذكريات «جانفي 2011» بالهمس وفي الغرف المقفلة.

مظلّة للعمل السرّي وقوّة مضادة للسلطة
«أكثر من نقابة كلاسيكيّة وشيء آخر غير حزب سياسي». قد يكون هذا التعريف الذي استخدمته الباحثة الاجتماعية هالة اليوسفي، في كتابها «اتّحاد الشغل، قصّة شغَف تونسيّة»، هو الأقرب لتوصيف هذا الهيكل النقابي الذّي لعب أدواراً تاريخيّة خلال سبعين سنة تقريباً منذ تأسيسه. إذ لم تكتف هذه المنظّمة بالشأن النقابيّ، بل خاضت معترك السياسة في كلّ مرحلة تاريخية، بدءاً من الاستعمار، إلى المراوحة بين مهادنة ومعارضة الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال. لكن، منذ كانون الثاني/جانفي 1978 أو ما يُعرف بالخميس الأسود، رسم الاتحاد العام التونسي للشغل خطّاً متمايزاً عن السلطة ترسّخ أكثر فأكثر مع تتالي المواجهات أواخر الحقبة البورقيبيّة.
الوافد الجديد على قصر قرطاج، الذّي كان طرفاً فاعلاً في قمع العمل النقابي خلال ثمانينيات القرن المنصرم، استطاع أن يروّض المركزيّة النقابيّة خلال سنوات حكمه. لكنّ الفروع الجهويّة والمحليّة ظلّت تسبّب صداعاً مستمرّاً لزين العابدين بن عليّ: بدءاً بسليانة عام 1990 والردّيف عام 2008 وبن قردان عام 2010، مروراً بالتظاهرات المندّدة بعاصفة الصحراء عام 1990 أو خلال الانتفاضة الفلسطينيّة أوائل الألفيّة واجتياح الضفّة الغربيّة عام 2002 وغزو القوات الأميركيّة للعراق عام 2003، انتهاءً بسلسلة الاحتجاجات التّي شملت أغلب جهات البلاد والتي انتهت بإسقاط حكم بن علي. أدت تلك الفروع ونقابات التعليم بمختلف مستوياتها دوراً حاسماً في تغذية حراك الشارع، متجاوزة جمود القيادات المركزيّة حينها، لتتحوّل مقارّ الاتحاد العام التونسي للشغل نقاط تجمّع للتظاهرات، فيما أدّى منتسبوه دوراً أساسياً في تأطير التظاهرات وتوجيهها خلال تلك المرحلة.
تأثير هذه المنظّمة تجاوز عمليّة الشحن والتعبئة، ليتحوّل في ظلّ سياسة القمع ومنع العمل السياسي في العلن إلى مظلّة للنشاط السياسي ضمن الأطر النقابيّة. دور عرّض الاتحاد وأعضاءه للتضييق الأمني من قبل نظام بن علي ولتُحاصر مقارّه في أكثر من مناسبة ولتطاول الاعتقالات عدداً من مناضليه، على غرار عدنان حاجي، الأمين العام لنقابة التربية في الرديف بقفصة، وبوجمعة الشرايطي الأمين العام لنقابة الصحة عام 2008، وعشرات النقابيين القاعديين خلال السنوات الثلاث والعشرين من حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.
دور الاتحاد العام التونسي للشغل لم يتوقف بعد إزاحة بن علي عن الحكم، بل دفعته المرحلة اللاحقة إلى الانغماس بنحو مؤثر في الشأن السياسيّ. فالتغيير السياسيّ بعد عام 2011، وإن أسقط رئيساً، فقد حافظ على العقل السلطوي للمنظومة الحاكمة بميكانزمات جديدة وآليات مواجهة وصراع مختلفة.