بغداد | لم يدرك أكراد العراق القيمة الحقيقية لمنصب رئاسة مجلس النوّاب طوال السنوات التي تلت سقوط النظام السابق في نيسان 2003. فالمعادلة السياسية في «بلاد الرافدين» جعلت الأكراد «بيضة القبّان»، تُستغل مع احتدام الصراع بين المكوّنين السُنّي والشيعي، للحصول على أكبر قدرٍ ممكن من المكاسب السياسية، والاقتصادية، والأمنية.

اقتنع الأكراد بمنصب رئيس الجمهورية، والذي فُصّل على مقاس الرئيس الراحل جلال طالباني، بحيث اعتبر منصباً موازناً لغريمه السياسي مسعود البرزاني، المتربع على رئاسة «إقليم كردستان». وفي السياق، رأى بعض الأكراد أن احتفاظهم بمنصب رئاسة الجمهورية إلى جانب وزارة الخارجية، والتي كانت من حصّة خال البرزاني، هوشيار زيباري، عامل قوّةٍ لهم، ظنّاً منهم أن المنصبين يتيحان لهم فرصة مدّ الجسور، وفتح بوّابات على المجتمع الدولي تهيّئ الأجواء ــ مستقبلاً ــ لإعلان الاستقلال والاعتراف الدولي بـ«دولة كردستان».
هذه الأفكار والنظريات كانت مقبولة، حين كانت رئاسة البرلمان حالةً بروتوكولية، ومنصب إرضاء للمكوّن السُنّي لا أكثر، مع تبوّء هذا المنصب شخصيات لم تدرك قيمة هذا المنصب، فلم تحسن إدارته، ولم تستفد من الصلاحيات الممنوحة لرئيس البرلمان. أما سليم الجبوري، رئيس البرلمان الحالي منذ 2014، والشاب صاحب الخلفية الإسلامية والتوجه المدني، والحائز شهادة الدكتوراه بالقانون، فقد استطاع أن يفعّل صلاحياته الممنوحة، ما أدى إلى زيادة قوّة المنصب وأهميته، وخاصّةً مع استخدامه «السياسة الناعمة» مع مختلف المكوّنات والأطراف، وتحديداً الشيعة، ما انعكس برودةً على المشهد الطائفي، فاستحال بذلك أي تفاعل يمكن أن يتيح للأكراد لعب الدور الذي كانوا يلعبونه طوال السنوات الماضية.
كل هذا انعكس سلباً على الأكراد، الذين تعاملوا بعنجهية مع بغداد، دون إدراك حقيقة أن البرلمان برئاسته الجديدة، لن يكون الملعب المناسب لهم لتحقيق «الانتصارات»، إذ تعرضوا لسلسلة هزائم تحت قبّته، بدأت بإقالة وزير المال هوشيار زيباري، بوصفها صفعة سياسية قاسية لـ«الحزب الديموقراطي الكردستاني».
الإدراك الكردي الواضح لأهمية منصب رئاسة البرلمان، أتى بعد أزمة «استفتاء الانفصال»، والتي قادها البرزاني. فالبرلمان كان المتصدي لهذا الاستفتاء بشكل غير متوقع، بل إن المعركة السياسية حوله كانت تدور رحاها داخله، حيث صدرت القرارات والمواقف الرافضة له، ثم الرفض بالاعتراف بنتائجه، وإحالة النواب الأكراد المروّجين والمشاركين فيه إلى التحقيق، والتلويح بسحب عضوية المجلس منهم.
لكن الضربة القاضية التي وجهها البرلمان للأكراد، كانت في موازنة 2018، والتي مُرّرت بشكل يجعلهم يدركون أخيراً أن لا قيمة لكل المناصب التي تمسّكوا بها، ما دامت رئاسة البرلمان ليست بأيديهم، وخاصّةً التقارب الطائفي والهدوء المخيّم على المشهد حالياً.
لذلك، السؤال المطروح، الآن، داخل الأوساط السياسية الكردية هو: كيف يمكن الوصول إلى رئاسة البرلمان لضمان إيقاف سلسلة الخسائر، والتي ربما تفقدهم مصالح أكبر في ظل الانقسامات الحادّة داخل المشهد السياسي داخل «الإقليم» أوّلاً؛ وتعويض ما خُسر خلال السنوات الأخيرة، والتي أحسن «السُنّة» استغلال هذا المنصب، وأجادوا إدارته. إذ إن التسريبات تشي برغبة باستبدال منصب رئاسة البرلمان، مقابل رئاسة الجمهورية. ولكن، في الحقيقة، فإن معظم الساسة السُنّة لا يرغبون بمنصب رئاسة الجمهورية، وخصوصاً بعدما تبيّن أنه في ظل الدستور، لا قيمة له من جهة، والتقارب السُنّي ــ الشيعي يتطلب بقاء رئاسة البرلمان بيد الأوّل، ورئاسة الوزراء بيد الثاني، كمطلبٍ لإنجاز مهمة بناء استقرار سياسي وأمني في البلاد، من جهةٍ أخرى، والذي أصبح حاجةً وهدفاً لا يمكن المساومة عليه.