منذ نصف قرن مضى، كان الزمان حاملاً للأمل: الأمل في مستقبل أفضل من التنمية، والتقدم، والرفاه، والمساواة بين البشر. أما اليوم، فيبدو كأنّ المستقبل صار محض ذكرى من الماضي، فيما يُخيِّم على العالم حاضر سكوني نيوليبرالي يحمل في صدره نبوءة ختم التاريخ. من سكون الحاضر، يشرئب شبح الماضي بعنقه، معلناً نفسه سفينة نوح التي ستخلص البشر من طوفان الحاضر، حتى تعيدهم إلى جنان الأصل السعيدة. وفي الخضم، يبقى السؤال قائماً: أين ذهب المستقبل؟ أين ذهبت كل تلك الأحلام والأفكار والخطابات التي ألهبت مخيال ملايين البشر، وجعلت أبصارهم وأفئدتهم وسواعدهم، وفي كثير من الأحيان بنادقهم، مصوبة نحو المستقبل طوال القرن العشرين؟ قبل مدة، كتب الباحث التونسي الشاب جهاد الحاج سالم: «قد يَصدقُ قول مارسيل غوشيه بأن أزمة العالم المعاصر، هي بالأساس أزمة المستقبل. فبعدما كان الأفق البشري معلقاً بالمستقبل طوال القرن العشرين، في انتظار تحقق التطور والتقدم والنمو، لم يعد للبشر (حالياً) قدرة على تخيّل المستقبل جماعياً وبالكاد فردياً». أضاف: «هي أزمة تنعكس في مجتمعات الغرب في شكل استغراق مفرط في الحاضر، فيما تنعكس في بقية مجتمعات العالم في شكل عودة فائرة إلى الأصول (الأصول الدينية والعرقية والثقافية، وقد تكون الشعبوية الجديدة في أوروبا وأميركا شكلاً من أشكال الأصولية المخاتلة، الخاصة بالغرب). يظهر ذلك في أعسر سؤال قد يواجهه كل نقد جذري للعالم المعاصر: ما هو البديل؟ أين ذهب المستقبل؟». في بلد مثل تونس، كان المستقبل الأفق الأساسي الناظم للسرديات السياسية، من سردية تشييد الدولة الوطنية التي بشرت بها نخبة الاستقلال الأولى، على رأسها الحبيب بورقيبة، إلى سردية التغيير والتنمية التي بشرت بها نخبة «7 نوفمبر» وجعلت من الرئيس المخلوع بن علي رمزاً لها، وصولاً إلى سردية الثورة التي صاغتها شعارات ملايين الحناجر من الشباب والفئات والجهات المحرومة ذات ربيع سنة 2011. وبعد سبع سنوات ونيف من اندلاع المسار الثوري، ها هو نجم المستقبل يأفل من جديد، ليسطع شبح الماضي في سماء السياسة التونسية مع قرب موعد أول انتخابات محلية في تاريخ البلاد (الشهر المقبل)، ورابع انتخابات عامة منذ الثورة (بعد أكثر من عام). فهل شبح الماضي ليس سوى طيف من دخان يعمل التياران السياسيان الأساسيان المتصارعان في البلاد، أي تيار «الدساترة» والإسلاميين، على نفثه في وجه الحاضر ليضربا به غشاوة على أبصار الناخبين تعميهم عن رؤية بشاعة الحاضر؟ أم هو معبّر فعلياً عن أزمة أيديولوجية تتخبط فيها النخب القديمة التي تأبى الاندثار، فيما تعجز عن تجديد نفسها في أفق المستقبل الذي بشرت به الثورة؟

في هذا الوقت، تشتد المواجهة بين «الاتحاد العام التونسي للشغل» والحكومة. يبقى الأمل في ألا تنتهي بمجرد التوصل إلى توافقات في الكواليس، فهي في أحد وجوهها مواجهة بين رؤى مختلفة لاقتصاد البلاد السياسي.