تونس | كان يا ما كان... كان يُفترض بالثورة التونسية أن تكون الخطوة الأولى نحو «مستقبل أفضل»، لكن الحصيلة الحقيقية بعد سبع سنوات عجاف أكثر من مخيبة للآمال. تتعدد أسباب هذه الخيبة: الثورة المضادة، فشل الطبقة السياسية، الإرهاب، الاغتيالات السياسية، الخوف، الفوضى غير الخلاقة، تفاقم الأزمة الاقتصادية، إلخ. القائمة طويلة ولا مجال لتحليلها هنا بالتفصيل. لكن هناك سبب يهمله أغلب المحللين للوضع في تونس أو لا يتفطنون له أصلاً، ألا وهو سيطرة «الماضي» على حساب الحاضر والمستقبل. تغرق البلاد كل فترة في جدال ـــ عقيم في أغلب الأحيان ـــ حول ماضيها القريب والبعيد بدلاً من الإجابة عن أسئلة الراهن والآتي.

بعد أسابيع قليلة من هرب بن علي، بدأت مطالب العدالة الاجتماعية والمساواة بين أجزاء الوطن، والحرية، تخفت تاركة المجال لأمور أكثر استعجالاً وأهمية: الهوية، الماضي، تاريخ البلاد. هذا الحضور الطاغي للتاريخ في السجال العام يبدو غريباً عن عادات وتقاليد البلد. لم يعرف عن أغلب التونسيين شغفهم بالتاريخ وهي مادة لا يحبها أغلب التلاميذ والطلبة ويعتبرون أنّها مملة وتحكي عن أشياء لا تعنيهم ولا تفيدهم بالمرة. أغلب المتاحف تكاد تعاني من الوحدة والهجران: لا يزورها تقريباً أحد ولا حتى «كل سنة مرة» رغم أنّ الدخول مجاني للطلبة والتلاميذ وعدة شرائح وبأسعار مقبولة للبقية، ولولا عطف «الكفّار» من السياح وبعض «غريبي الأطوار» من التونسيين لاحتلتها العناكب.
دعك من المواقع الأثرية المنتشرة في كامل أرجاء البلاد والتي تُنهب منذ عقود ولا يعرف قيمتها إلا رعاة الأغنام والعشاق ومنظمو «الجلسات الخمرية». ما الذي حدث إذن؟ من الذي زرع حب «التاريخ» في قلوب التونسيين؟ من الذي يرعى هذا الحب ويسقيه حتى ينمو ويصبح شجرة يغطي ظلها كل شيء؟ كيف تحوّل السجال العام إلى مسلسل تاريخي بطعم الفانتازيا؟ الإجابة بسيطة: إنّهم السياسيون. غاياتهم مختلفة وأساليبهم كذلك، لكن النتيجة واحدة: الهرب إلى الخلف...

في البداية كانت حرب تموقع...
من الطبيعي بعد عقود من الاستبداد والفساد أن تطفو جروح الماضي وآلامه إلى السطح، وأن يُنفس الجميع غضبهم وأن يحاولوا إعادة كتابة تاريخ البلاد وتحصين الذاكرة الجماعية الوطنية حتى لا يحصل ما حصل مرة أخرى. ولئن كان هناك شبه إجماع على كره بن علي وعهده، فإنّ حكم بورقيبة اختلفت حوله التقييمات. كل هذا صحي، لكن المشكلة أنّه ليس هذا «التاريخ» الذي تمّ التركيز عليه، بل ذهب السجال العام إلى حقبات أبعد بكثير.
بدأ الأمر مع عودة الإسلاميين إلى المشهد بعد عشرين عاماً من الإقصاء متعدّد الأشكال. اعتقدوا أنّ زمن التمكين قد أزف، فأخذهم الحماس كثيراً ولم يخفوا نواياهم في أسلمة المجتمع وإعادته إلى الطريق المستقيم. دخول السلفيين «الدعويين» و«الجهاديين» على الخط زاد الأمر حدة وفاقم مخاوف العلمانيين وجزء كبير من المواطنين «المعتدلين»، وكان من الطبيعي أن ينشأ صراع ما بين أحباء دولة الشريعة وأنصار الدولة المدنية.

الشغف بالتاريخ يشتدّ بصفة رهيبة مع اقتراب مواعيد الانتخابات (أرشيف)

فجأةً أصبح جزء من التونسيين يتساءلون هل هم عرب أم أمازيغ؟ أي الغزاة أفضل: الرومان، العرب، الأتراك أم الفرنسيون؟ فتح إسلامي أم احتلال عربي؟ هل نحن أحفاد عقبة ابن نافع أم الكاهنة؟ هل تونس دولة عربية أم مغاربية فقط؟ كانت الأسئلة الهوياتية العبثية تتوالد بسرعة رهيبة. حركة النهضة الإسلامية التي عادت فجأة ولم تكن مهيأة للعودة والحكم استساغت جداً هذا «الجو» التاريخي، فهو يمكنها أولاً من إعادة بناء قواعدها، وثانياً من جرّ «خصومها» إلى ميدان تحسن اللعب والمراوغة فيه. العلمانيون، وفي مقدمتهم اليساريون، لم يقصروا أيضاً في رعاية هذا الشغف بالتاريخ، فهو كان يمنحهم وهمَ قيادة المجتمع في صراعه ضد الرجعية. أمّا «الدساترة» (مناصرو الحزب الذي حكم تونس منذ الاستقلال إلى الثورة)، رجال النظام الذي ترنح ولم يسقط، فكان من الطبيعي أن ينفخوا في هذه النار (عبر وسائل الإعلام التقليدية ومواقع التواصل الاجتماعي) لأنّها تخفف الضغط عنهم وتلهي عمّا اقترفوه من جرائم، وتطغى على المطالب الحقيقية للذين انتفضوا.

ثمّ تحولت إلى بحث عن الشرعية...
الإسلاميون الذين يُعتبرون أصغر التيارات العقائدية سناً في تونس (نشأ الاتجاه الإسلامي في أواخر السبعينيات) مقارنةً بالدساترة واليسار والتيارات العروبية، ركزوا في مرحلة أولى على ما تعرضوا إليه من سجن ونفي وتعذيب خلال زمن حكم بورقيبة وبن علي، لكنهم كانوا يعلمون أنّ كل هذا غير كاف، فكل التيارات والمجموعات التي عارضت النظام أخذت نصيبها من القمع. كان لا بدّ لهم من رموز تاريخية، فاعتبروا أنفسهم في مرحلة أولى أنّهم «الخلافة الراشدة السادسة» (هذا ما قاله حمادي جبالي، أوّل رئيس حكومة إسلامي)، ثم نسبوا أنفسهم إلى الحركة الدينية الإصلاحية التي نشأت في جامع الزيتونة ثم حاولوا السطو على صالح بن يوسف، وهو الزعيم الوطني الذي اغتالته الدولة التونسية سنة 1963. بن يوسف بدأ مسيرته السياسية «دستورياً» قبل أن يختلف مع بورقيبة حول مفاوضات الاستقلال ويقترب من جمال عبد الناصر ومن الأفكار العروبية عموماً (العروبيون في تونس يعتبرونه أحد آبائهم التاريخيين). لم تنجح محاولات السطو، وكانت عائلة بن يوسف أوّل من تصدى لها.
كيف تحوّل السجال العام في تونس إلى مسلسل تاريخي بطعم الفانتازيا؟


اليساريون قدموا أنفسهم كامتداد للحركة العمّالية التونسية التي نشأت منذ عشرينيات القرن الماضي وكمؤسسي الحركة الطلابية والحقوقية في البلاد. أمّا «الدساترة» فقد اعتبروا أنّ هذا الغرق في مستنقعات التاريخ هو البوابة الذهبية للعودة تدريجياً إلى المشهد السياسي بعدما «مرت العاصفة». تنكروا لبن علي ونسبوا أنفسهم لبورقيبة الذي أخرجوه من قبره وأشهروه كتعويذة باعتباره محرر البلاد والمرأة وباني الدولة الحديثة ومنظف رؤوس التونسيين من القمل (آه و الله هكذا يقولون). صوّروا أنفسهم على أنهم امتداد للحركة الإصلاحية التي بدأت منذ أواسط القرن التاسع عشر مع خير الدين باشا، وللحركة الوطنية التي انطلقت في ثلاثينيات القرن العشرين.

وأحياناً وقود للانتخابات...
من الصدف أنّ الشغف بالتاريخ يشتدّ بصفة رهيبة مع اقتراب مواعيد الانتخابات. حدث هذا في انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011 التي كانت البرامج الانتخابية فيها آخر همّ المترشحين والناخبين، وبدت النتائج كأنها حسمت أموراً مثل هواجس الهوية وحماية الإسلام والتاريخ النضالي، الخ. إلا أنّ انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية جددت شغف السياسيين التونسيين بالتاريخ. هذه المرة كانت الجرعة التاريخية أقوى بكثير من العادة وكادت أن تتحول إلى صراع جغرافي... ركز زعماء حزب «نداء تونس»، وهو الاسم التجاري الجديد لحزب «الدساترة»، وأغلبهم ينحدر من شمال البلاد ومنطقة الساحل، دعايتهم على الحداثة وتحرير المرأة والدولة المدنية باعتبارهم يمثلون امتداداً لفكر بورقيبة «التنويري» والحركة الإصلاحية التحديثية. في حين ركز زعماء حركة النهضة، وأغلبهم ينحدر من الجنوب، دعايتهم على الهوية الإسلامية والقيم التقليدية.
«الندائيون» لم يتورعوا عن نعت الجنوب «المحافظ» بالرجعي والمتخلف، بل إنّ أحد قياديي الحزب في تلك الفترة، أي محسن مرزوق، اعتبره «خارجاً عن السياق الوطني». الكثير من التونسيين وقع في فخ الساسة؛ بعض «الشماليين» و«السواحلية» أصبحوا يتصورون «الجنوبيين» كـ«دواعش»، في حين يرد بعض الجنوبيين قائلين: «جدودنا فلاقة وجدودكم قوادة» (أجدادنا كانوا مقاومين للاستعمار الفرنسي وأجدادكم كانوا عملاء له)، وإنّ الجنوب هو من ينفق على البلاد بمداخيل الفوسفات والتمور والمحروقات. هذه الحملة الانتخابية الشيقة والمبهجة لم يكن ينقصها إلا البرامج السياسية الحقيقية لكل حزب وتصوراته لمستقبل البلاد.

الطريف في الأمر أنّ الانتخابات أفرزت تحالفاً بين الطرفين (الشادلي بن ابراهيم)

الطريف في الأمر أنّ الانتخابات التي قامت على استقطاب حاد بين «الدساترة» والإسلاميين أفرزت في ما بعد تحالفاً بين الطرفين؛ تحالف «غير منطقي» أغضب العديد من أنصار الحزبين مما جعلهما يبحثان عن غطاء «تاريخي». وجد زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، الحل عبر نبش قبر آخر وإخراج «جثة» جديدة لتقديمها كجد مشترك لـ«الدساترة» والإسلاميين: الشيخ عبد العزيز الثعالبي، خريج جامع الزيتونة، ومؤسس حزب الدستور.

وفي أغلب الأوقات «ساتر دخاني»...
كما هو مشار أعلاه، تتعدد الأسباب التي تدفع السياسيين إلى التمترس وراء الماضي وجرّ البلاد إلى متاهاته، لكن في كل الأحوال هذه الاستراتيجية تعني شيئاً واحداً: عدم رغبتهم في المضي إلى الأمام، أو عدم قدرتهم على ذلك. في الحالتين كلتيهما مصيبة.
بعض الأحزاب عاجزة عن تصوّر وتحضير مستقبل البلاد، وبعضها الآخر لا يهمه إلا الحاضر ولا يتوانى عن استعمال التاريخ كساتر دخاني يغطي فساده وفضائحه.
تقريباً مع كل أزمة جديدة في البلاد يأتي «ملف تاريخي» من السماء ويحوّل وجهة النقاش العام. يتحمس أغلب الناس ويدلون برأيهم في قضايا وأحداث بعضها يعود إلى عشرات ومئات السنوات وينتصرون لذلك الميت أو ذاك وكأنهم أحياء بيننا. في الأثناء يزداد الحاضر ضبابية ويتأجل المستقبل أكثر.
في النهاية، لا بدّ ربما من الإشارة إلى أمر أخير: وأنا بصدد كتابة هذه السطور، لاحظتُ أن هناك جدلاً في «الفايسبوك» حول صورة تقريبية للقائد القرطاجني هانيبال (حنبعل)، قدّمها باحثون ألمان وتمّ تركيبها بالكومبيوتر وفق تقنيات حديثة. الصورة صدمت الكثيرين الذين كانوا يعتقدون أنّه سيكون أكثر وسامة وهيبة، في حين يتندر البعض بالقول إن حنبعل حسب الصورة يُشبه أغلب الشباب الذين «يحرقون» إلى إيطاليا في قوارب الموت وإنّ من يرى وجهه لن يعتقد أنّ الأمر يتعلق بقائد عسكري أراد فتح روما... ربما تاريخنا لا يشبه كثيراً الصور التي تنتجها النظرة الاستيهامية، أو المتخيلة.