اللاذقية | في غرفة العناية المشددة في المستشفى العسكري في دمشق، وبينما كان شبه فاقد للوعي، كان يصل إلى مسامعه بين الحين والآخر، صوت صفير يصدره جهاز «مونيتور» فيعلم أن واحداً من رفاقه قد فارق الحياة، ومع تكرار الصفير كان يشعر بضربة مخلب تخترق قلبه، ويسأل نفسه في كل مرة: «أي رفيق استشهد؟».

لم تكن تلك الإصابة الأولى ولا الأخيرة لفهد حميد، الذي تعافى وعاد الى الجبهة، محمّلاً بعهود قطعها على نفسه بالثأر لرفاقه، لكن الإصابة الأخيرة، التي حملت الرقم 16، كانت الأكثر إيلاماً جسدياً ومعنوياً للقائد الميداني، الذي بات أسير جراح أبعدته عن الجبهات. وبينما يعيش يوميات العلاج والوجع، كان ينشر على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» صوراً تجمعه برفاق سلاح في الجبهات المختلفة، ويكتب تعليقاً موجعاً على بعضها «كل من في هذه الصورة استشهدوا، إلا أنا». وفي الوقت ذاته، يستخدم صفحته الشخصية ليطلب من الأصدقاء مساعدة أحد الجرحى، ممن يحتاجون دواءً، قد يكون مرتفع الثمن أو غير متوفر محلياً، مع التأكيد على من يرغب بتقديم المساعدة، ألا يذكر اسم الجريح علناً أو يلتقط الصور التذكارية معه تماشياً مع الموضة الدارجة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أفرد لها حميد الكثير من المنشورات الناقدة باعتبارها مهينة للجرحى، وتتنافى وأخلاقيات تقديم المساعدة. ومن خلال التجاوب اللافت، وبشكل خاص، من قبل جرحى سابقين أو حاليين أعلنوا رغبتهم بالمساعدة، لمس حميد كيف أن الرفاق، الذين منحتهم الجبهات ذاكرة انتصارات وخيبات مشتركة، وزحفوا تحت النيران إلى ساحات مشتعلة ليحملوا على أكتافهم رفيقاً أصيب أو يسحبوا جثمان آخر استشهد، باتوا يتشاركون شعوراً عميقاً بوحدة الحال. رفيقه داني، وهو جريح عسكري، لم يكن بحاجة إلى أن يعرف الكثير عن جريح آخر من القوات الرديفة لا يحصل على أدويته وعلاجه أسوة بالعسكريين، حتى يتقاسم وإياه الأدوية والمسكنات الخاصة به. كذلك الأمر حين قرأ أحمد منشوراً يشكو فيه أحد المقاتلين الوجع وعدم توافر الدواء. تواصل معه وأرسل له قسماً من أدويته الشخصية. وأمام هذه الحال، اتفق الرفاق على أن يكون هذا الجهد الإنساني أكثر تنظيماً، فأسسوا مجموعة على «فيسبوك» تحمل اسم «جرحك شرف»، وآمنوا بكثير من «الحتمية القلبية» أنها ستكون وسيلة لمساعدة الجرحى وصون كراماتهم في آن معاً. «المجموعة تضم 5000 شخص من جرحى القوات المسلحة علاوة على أصدقاء وأطباء، ويمكن اعتبارها شبكة على مستوى سورية، تخدم كل بقعة فيها جريح سوري، بالاعتماد على تعاضد الجرحى، إذ يكفي أن يتواصل معنا جريح برسالة مرفقة بصورة توضح إصابته حتى نتعاون معاً لتأمين الدواء وإيصاله إليه. والفكرة الأساسية هي أن جريح الجيش يقدم جزءاً من أدويته لجريح القوات الرديفة، وكذلك يستطيع أصدقاؤنا الراغبون بالمساعدة تقديم الأدوية للجريح مباشرة، كما يتم تبادل الخبرات بين جريح إصابته قديمة وآخر أصيب حديثاً، ويتولى أطباء متطوعون تقديم استشارات طبية أون لاين» يقول فهد حميد.

جريح الجيش يقدّم جزءاً من أدويته لجريح القوات الرديفة


ويشرح أن الجريح يحصل على أدويته من المستشفى العسكري كمخصصات شهرية مجانية، علاوة على «القساطر» ومعظم مستلزماته الطبية الأخرى، لكن الجريح المدني، التابع للقوات الرديفة، لا توجد جهة مسؤولة عن علاجه أو توفير احتياجاته الدوائية: «أكثر الأدوية التي يتم التشارك بها، هي المسكنات، لإيقاف نوبات الألم، إذ يكتفي الجريح العسكري بتناول حبة مسكن واحدة يومياً عوضاً عن تناول حبة كل 12 ساعة، ويتقاسم الباقي مع الجريح المدني». ويضيف: «هذه الحالة تصلح درساً للجهات المعنية، كيف أن الجريح يحتمل ألماً لا يطاق كي يساعد جريحاً آخر، لكن رغم أهمية ما يقوم به الجرحى لمساعدة بعضهم، إلا أنه غير كاف، فجرحى القوات الرديفة أعدادهم كبيرة، وإصابات معظمهم تحتاج إلى علاج طويل الأمد، علاوة على أن رواتبهم تتوقف بعد الإصابة ولا تعويضات مادية لهم».
الفكرة الأساسية، التي قامت عليها المجموعة، بأن يتولى الجريح العسكري مساعدة الجريح المدني، تم عكسها في أحيان كثيرة، لتكون قصص نجاح للمجموعة. ومن تلك القصص أن أحد جرحى «الدفاع الوطني» في حمص، قرأ منشوراً في المجموعة عن جريح عسكري يحتاج إلى إبر أجنبية الصنع وسعرها مرتفع لعلاج ركبته المصابة، ونظراً لأن جريح «الدفاع الوطني» الذي تم إيقاف راتبه منذ 7 أشهر، لديه متبرع يقدم له الأدوية بصورة شهرية، طلب من المتبرع أن يؤمن له تلك الإبر عوضاً عن أدويته، وأرسلها للعسكري المصاب.
«جرحك شرف» باتت ظاهرة لافتة خاصة مع حرص المسؤولين عنها على عدم إعلان أسماء الجرحى الذين يحتاجون المساعدة، ورفضهم تصوير نشاطاتهم أسوة ببعض الجمعيات التي تصر على تصوير المستفيدين من خدماتها. وثمة حالات حُرم فيها متلقي الخدمة من الحصول على المساعدة حين رفض التصوير، بحجة أن الصور طريقة لتوثيق المساعدات أمام الجهات المتبرعة. ويتحدث مسؤولو المجموعة عن أن هدفهم الأساسي هو حفظ كرامة وخصوصية الجريح، ويذكرون تصرفات مسيئة بحق الجرحى من قبل بعض الجمعيات الأهلية، مستشهدين بفيديو نشرته إحدى الجمعيات بعد أن قدمت علاجاً مجانياً لجريح، وتظهر في الفيديو والدته وهي تشكرهم على كرمهم واهتمامهم بابنها، لكنها في نهاية الفيديو تسألهم: «منيح هيك؟».