الجزائر | في الأيام الأخيرة، صدرت عن جهات دينية رسمية في الجزائر تصريحات ومبادرات أثارت جدلاً في الشارع وعلى وسائل الإعلام، وصفها كثيرون بالغريبة. ففي بداية الأسبوع الماضي، كلّف وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، أئمة المساجد بالدخول إلى ملاعب كرة القدم للمساهمة في التخفيف من أعمال الشغب التي ترافق بعض المباريات الرياضية، فيما دعاهم الشيخ علي عية، وهو إمام المسجد الكبير في الجزائر العاصمة، إلى الذهاب نحو الحانات لثني روادها عن شرب الخمر.

طلب عيسى جاء على خلفية أحداث عنف شهدها ملعبا وهران وقسنطينة، وهما أكبر مدينتين في البلاد بعد العاصمة، وذلك خلال لقاءين كرويين. وقد أعرب الوزير في مداخلة أمام وسائل الإعلام خلال وجوده في قسنطينة للإشراف على احتفالات «يوم العلم»، عن استيائه إزاء ما يجري في الملاعب التي «يفترض أن تكون فضاءات للالتقاء والتآخي والتعارف، لكنها تحولت في الفترة الأخيرة إلى ساحات للحروب تشبه ما كان يحدث في الجاهلية». ودعا أئمة المساجد الموجودة بالقرب من ملاعب الكرة الى تخصيص جزء من خطبهم لتوعية المواطنين الى مخاطر العنف، وحثهم على «التآخي (حين تكون هناك) مباريات فيها تشنج». كما كشف عن تعليمات سيوجهها للأئمة تطالبهم «بالذهاب إلى الملاعب والاختلاط بالمتفرجين في المدرجات للحث على الكلمة الطيبة، والعمل على الحد من هذه الظاهرة». لكن نقابة الأئمة رفضت المسعى، واعتبرت أنّ ما ذهب إليه الوزير موقف غير مناسب للإمام كون الملاعب «غير مهيأة لاستقبال الأئمة لما فيها من كلام فاحش وتضييع أوقات»، وهي حالات تجعل الحاضرين لا يسمعون الإمام.
المبادرات «الغريبة» لوزير الشؤون الدينية الجزائري تعددت في المدة الأخيرة، إذ طلب من الأئمة قبل شهرين إنشاء «مساجد افتراضية» على منصات التواصل الاجتماعي «لمحاربة الأفكار الدخيلة من حملات التبشير والتضليل الداعية إلى الطائفية والمذهبية والإلحاد الذي اتخذ لنفسه اسم الحداثة». وأعرب عن أمله في أن يفتح 42 ألف إمام، وهو عدد العاملين بهذا السلك، حسابات على مواقع «فايسبوك» و«تويتر» بغرض «التواصل مع الشباب وإمرار الخطاب المسجدي الذي يتجانس ويتوافق مع المرجعية الدينية الوطنية، ما يمكن من حمايتهم من المؤثرات الخارجية». وفي معرض حديثه، رفع الوزير سقف الطموحات، فرأى أنّ حسابات الأئمة «يمكن أن تكون وسيلة ضغط مهمة تمكنهم من مطالبة إدارة هذه المواقع بحجب ما يمس ويسيء للإسلام وللمرجعية الدينية الوطنية»!
من جهته، وفي ما يشبه المزايدة العلنية، قال الشيخ علي عية، وهو من أهم منافسي وزير الشؤون الدينية على المنصب، إنّ أئمة المساجد يجب أن يكونوا في كل مكان، وليس فقط في الملاعب كما طالب عيسى. وأكد في مداخلة على قناة «النهار» الخاصة أنّ «رجال الدين عليهم أيضاً أن يقتحموا الحانات لقول الكلمة الطيبة ونهي روادها». وجاءت مبادرة الإمام متزامنة مع حملة يقودها الولاة (المحافظون)، وهم السلطة العليا في المحافظات، لإغلاق محال لبيع الخمور، وخاصة في الجهة الشرقية من البلاد التي تتجذر فيها الأفكار والتيارات الأصولية. وهو قرار انتقده الكثيرون على اعتبار أنّ الجهات السياسية والإدارية التي تقف وراءه تحاول بذلك إرضاء التيار الإسلامي على حساب حريات الناس.
هاتان الدعوتان أثارتا عاصفة من التعليقات بين مؤيد ومعارض، يغلب عليها طابع الهزل والسخرية في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي. ولعلّ عادل صياد، وهو شاعر معروف وإعلامي قضى سنوات طويلة في الإذاعة الحكومية، قد جسّد هذا المشهد الهزلي في منشور له على موقع «فايسبوك»، يقول فيه: «تخيّل نفسك جالساً في حانة مع أصدقاء محترمين جداً من نخبة المجتمع، فدخل عليك هذا النموذج المفركس (في إشارة الى الإمام علي عية الذي يتبع محمد علي فركوس، زعيم السلفية في الجزائر)، وأشباهه من معطوبي الحياة والحضارة، لنصيحتك بأنّ ما تقوم به خطأ وأنّك لا تعرف الصلاح وأنك جالس مع جماعة سوء».