طرأت تغيرات كبيرة على المشهد السوري منذ تحرير بلدات الضفة الجنوبية لنهر الفرات ومدنها من تنظيم «داعش»، وصولاً إلى الحدود العراقية عند البوكمال. يومها، سلّم الأميركيون بسيطرة دمشق وحلفائها على المعبر الحدودي، وسط التأكيد أن العمل على الجانب العراقي من الحدود سيتركز على منع إيران من استخدامه (المعبر) لتعزيز نفوذها في سوريا. مقابل هذا التوجه الأميركي، ركّزت روسيا في مجمل حديثها عن الملف السوري على ضرورة دفع المحادثات السياسية بعد الخطوة الكبيرة التي تحققت ضد الإرهاب. غير أن تلك المقاربة لم تجد «شركاء» على الجانب الآخر (الولايات المتحدة وحلفاؤها) لترجمتها على أرض الواقع. ومنذ أشهر، باتت روسيا تركّز في خطابات مسؤوليها على أن الخطط الأميركية أصبحت تراعي «مصالح جيوسياسية»، لا «هزيمة الإرهاب». اليوم، تطرح الولايات المتحدة تصوراً غير واضح المعالم بعد، لإشراك حلفائها الإقليميين في مستقبل منطقة الشرق السوري، عبر الجانبين المالي والعسكري، بما يضمن «إغلاق طريق البحر المتوسط» في وجه إيران. وتطرح الرؤية الأميركية التي ظهرت واضحة أمس في حديث الرئيسين، الأميركي دونالد ترامب والفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال لقائهما في واشنطن، أسئلة كثيرة عن طبيعة «التعاون» المنتظر بينهم وبين روسيا في هذا المجال. ماكرون شرح عن تفارق في مسارات العمل ضد تنظيم «داعش» ومسار «التسوية السياسية» المفترض في سوريا. وبدوره، كان ترامب واضحاً في نيته العمل على «تضمين» الملف السوري في أي «صيغة» جديدة قد يجري الحديث عنها حول الاتفاق النووي مع إيران. هذه الحسابات الغربية تعرقل النموذج الروسي عن «التسوية السياسية»، الذي تكرّس عبر مساري أستانا وسوتشي. ومن المؤكد أن إدخال حل الأزمة السورية في سلّة إقليمية متكاملة يفاوض عليها الغرب، لا يلبّي طموحات موسكو، خاصة في ضوء رص الصفوف «الأطلسية» ضدّها. وقبل حديث الرئيسين ترامب وماكرون، بساعات، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الصين، إن «الولايات المتحدة سبق أن تعهدت بأن هدفها الوحيد هو إخراج الإرهابيين من سوريا وإلحاق الهزيمة بداعش. ورغم تعهداتها وتصريحات الرئيس ترامب، فهي تعزز وجودها على الضفة الشرقية لنهر الفرات، ولن تغادر المنطقة، بل تعمل على إنشاء هياكل سلطة محلية هناك». ولفت إلى أن الرئيس الفرنسي يشجّع هذه التحركات الأميركية، وهو رأى في تصريحه الأخير أنه يجب على الولايات المتحدة و«التحالف الدولي» أن «يبقى هناك (في سوريا) حتى إقامة إدارة ترضي الدول الغربية»، مؤكداً أن هذا «تدخل واضح في الشؤون الداخلية وانتهاك لجميع قواعد القانون واللياقة الدولية». وفي الوقت نفسه، أعرب الوزير الروسي عن أمله أنه «بعد اتصالاتنا مع زملائنا الفرنسيين، سنضع الأمور في نصابها الصحيح، حول كيفية تعاوننا في تسوية الأزمة السورية، في إطار التزام جميع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وبرغم أن طبيعة الخطوات الروسية المرتقبة في وجه الحراك الغربي ما زالت غير واضحة، فإن الحديث عن احتمال تسليم سوريا منظمة «S300» قد يقرأ ضمن هذا السياق، خاصة أن إسرائيل التي جهدت لسنوات، لافتعال مواجهة أميركية ــ إيرانية على الأرض السورية، هي المعترض الأول على هذا التسليم. كذلك إن التعاون الثلاثي الروسي ــ التركي ــ الإيراني، سيكون محوراً مهماً في أي خطط روسية مفترضة، ولا سيما أن مناطق وجود القوات الأميركية، وخاصة في الشمال السوري، تشكل محور اهتمام لأنقرة، لكونها تضم القوة العسكرية للأكراد في سوريا. كذلك تراهن الدول الغربية على دفع مسار جنيف بمعزل عن تحركها على الأرض في شمال سوريا وشرقها، مستفيدة من ملف إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية، لابتزاز روسيا وحلفائها.
وعلى الأرض، يتابع الجيش تحركه العسكري ضد تنظيم «داعش» في «جيب اليرموك»، وسط معارك عنيفة يخوضها على ثلاثة محاور رئيسة، انطلاقاً من أطراف أحياء التضامن والحجر الأسود والجورة. وشهد أمس استهداف المسلحين لعدد من أحياء دمشق بقذائف الهاون، ما أدى إلى استشهاد 5 مدنيين وإصابة 22 آخرين في أحياء الميدان والزاهرة ونهر عيشة، المتاخمة لمخيم اليرموك من الجهة الشمالية. وفي القلمون الشرقي، دخلت وحدات من قوى الأمن الداخلي بلدة جيرود، بعد إكمال عملية إخلاء عدد من المسلحين والمدنيين منها، تمهيداً لعودة مؤسسات الدولة وفق بنود اتفاق التسوية. وينتظر أن يستكمل نقل المسلحين والمدنيين من باقي مناطق القلمون الشرقي، خلال الأيام القليلة المقبلة.