دمشق | تشير دراسة اقتصادية، أعدّها باحث ومسؤول سابق في ملف حكومي، إلى أنّ التهريب ضيّع على خزينة الدولة نحو 600 مليار ليرة. ووفق المتوقع، احتلت تركيا المرتبة الأولى في عمليات التبادل التجاري غير القانوني، والتي وصلت قيمتها في عام 2014 إلى نحو 1.6 مليار دولار، بينما حل لبنان ثانياً، علماً بأن التبادل معه كان مزيجاً بين الشرعيّ والتهريب. والواقع أنه لا يمر يوم من دون ضبط الجمارك مواد مهربة، مختلفة الأصناف، غير أن الكميات المصادرة لا تشكل شيئاً مهماً مقارنة بما يعرض في المحال التجارية علانيةً، ومن بين ما تضمه تلك المواد المهربة، منتجات غذائية لم تخضع لأي رقابة صحية. وبرغم خطورة ذلك، فإن آلاف أطنان المهرّبات تُنقل بشاحنات ضخمة، من دون توقيفها، بسبب حماية بعض الجهات النافذة لمشغليها. وهو ما يشير إليه صناعي معروف، رفض ذكر اسمه خوفاً من تداعيات ذلك عليه وعلى عمله، مبيناً أنه شاهد بعينه كيف تتم عمليات التهريب عبر منافذ محمية وكيف ترافق الشحنات حماية كاملة لتسهيل عبورها إلى الأسواق من دون مساءلة. وأكد أنه قدم ما بحوزته من معطيات إلى بعض الجهات، لكنها «لم تحرك ساكناً» لمعرفتها بأسماء المهربين وداعميهم.

ويشير عضو غرفة تجارة دمشق، منار الجلاد، إلى ازدهار تجارة التهريب في سوريا وانعكاسها على الأسواق المجاورة مثل شتورة وبرّ الياس في لبنان، ومرسين في تركيا. ويؤكد أحد التجار بدوره، وجود حاويات شحن تأتي من مرسين إلى سوريا وفق خطوط تهريب منظمة، لافتاً إلى أن العمليات غير الشرعية تنشط قرب المدن الحدودية كحلب وحمص. ويوافق زميله عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق، مشيراً إلى أن التهريب يشمل جميع أنواع السلع. ويرى أن القطاع الحكومي قادر على ضبطه، لكن المشكلة برأيه هي وجود جماعات ضغط قوية تعمل على منع اتخاذ أي إجراء بهذا الخصوص حفاظاً على المكاسب المالية لقاء الغرامات الجمركية والتموينية.

«في الاتجاهين»
يرد مصدر في الجمارك على هذه الاتهامات بالنفي، مشيراً إلى أن العمل يجري على ضبط ومحاسبة جميع المهربين. ويشير إلى أن التهريب «موضوع قديم جديد»، لكن الحرب فاقمته «وخاصة أن المعابر الشرعية كانت تحت سيطرة المسلحين». ويلفت إلى أن البضاعة المهربة غالباً ما تكون وطنية المنشأ، وتزوّر على أنها أجنبية لتسويقها «بسبب عقدة الأجنبي». ويشرح مصدر آخر عن وجود «تزوير عكسي» لمنتجات صنعت في تركيا وكتب عليها «صنع في سوريا» بعد إدخالها عبر مناطق التماس الحدودية، وتغطّى عبر سجل تجاري وصناعي وهمي، والغاية وفق المصدر «التهرب من دفع الرسوم الجمركية المفروضة وتقليل التكاليف لمنافسة المنتجات المحلية». غير أن هذا الكلام يناقضه انتشار المنتجات التركية الكبير في الأسواق، وهو ما يرجعه بعض الجمركيين إلى «عدم اتخاذ قرار حازم» بمنع دخول تلك المنتجات، عبر فرض عقوبات مشددة على كل من يتعامل بها.

منع الاستيراد هو السبب!
يرفع صناعيّو سوريا وتجّارها الصوت عالياً لقمع ظاهرة التهريب. ويؤكد رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها سامر الدبس أن «امتلاء الأسواق بالمهرّبات خلق إشكاليات كبيرة على الصناعة المحلية وصحّة المواطن، وخاصة أنها غير مراقبة صحياً»، متسائلاً عن كيفية إدخال الألبسة التركية والصينية برغم وجود قرارات تمنع استيرادها. بدوره، يردّ عضو غرفة تجارة دمشق، منار الجلاد، التهريب إلى سياسة منع الاستيراد، وهو ــ على حد قوله ــ ما تسبب في قلة السلع والتشجيع على تهريبها، مطالباً بالسماح بدخول السلع التي يجري تهريبها بشكل رسمي، مقابل حماية الصناعة المحلية عبر «وضع رسم جمركي منطقي».

تغضّ بعض الجهات النظر لمعرفتها بأسماء المهربين وداعميهم


من جانبه، يرفض معاون وزير الاقتصاد بسام حيدر، تحميل سياسة ترشيد الاستيراد مسؤولية زيادة المهربات، ويرى أن السبب الرئيس هو تهرّب الفاعليات التجارية والصناعية من دفع الرسوم الجمركية، وخاصة المرتفعة كالسلع الكمالية، أو التهرب من تحقيق المواصفات والمقاييس المطلوبة، لافتاً إلى أن عدم توفر سلعة ما قد يدفع البعض إلى تهريبها لتحقيق أرباح على حساب الاقتصاد المحلي. وفي رد الجلاد على سؤال «الأخبار» حول تلاعب بعض التجار بالبيانات الجمركية، بالتواطؤ مع بعض الجمركيين، لإدخال سلع ذات رسوم مرتفعة محلّ سلع منخفضة الرسم، ينفي ذلك بالتأكيد على اتخاذ الجمارك إجراءات وقائية عبر تقسيم الرسوم إلى شرائح محددة مع توحيد نوعية البضائع، والتشدد بمراقبة تخليص البضائع، من دون أن ينكر وجود تجازوات من بعض التجار.

أضرار بالجملة
ترى الباحثة الاقتصادية رشا سيروب أن التهريب ليس وليد الحرب، لكنه برز مع فقدان الحكومة سيطرتها على بعض المناطق حيث تفاقم هذا النشاط ليشمل السلاح والأفراد، مبررة ذلك بانعدام المسؤولية الوطنية والرغبة بتحقيق الثروة، إضافة إلى العقوبات الاقتصادية وإغلاق معظم المنافذ والمعابر الرسمية، والانفلات في الرقابة الجمركية، وضعف دور وزارة التجارة الداخلية. وتلفت إلى أن الحكومة غضّت الطرف عن عديد من التجاوزات تحت ذريعة «توفير كافة السلع». وعلى عكس مقولات البعض عن أن التهريب قد يدعّم الاقتصاد المحلي ويساعد على توفير كافة أنواع السلع، ترى سيروب أنه مشكلة خطيرة تضر باقتصاد البلاد عبر مساهمته بإغلاق الصناعات المحلية، وانخفاض الإيرادات والإنفاق وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع تنافسية الاقتصاد المحلي نتيجة التشوه في الأسعار، كما أنه يسبب زيادة الطلب على القطع الأجنبي، وبالتالي انخفاض قيمة الليرة.
ولا تعوّل سيروب على إمكانية القضاء على التهريب حالياً، وخاصة أنه أصبح مصدر إثراء للعديد من الأشخاص، مضيفة أن ذلك لا يعني عدم وجود إجراءات تخفف من حجمه، عبر التنسيق بين وزارة الاقتصاد والجمارك ووزارة التجارة الداخلية، مقترحةً التشدد بفرض العقوبات على موظفي الجمارك، مقترناً مع تحسين واقعهم المعيشي، وتخصيص عقوبات مشددة لكل من يعمل في التهريب أو يسهّل نشاطه، إلى جانب ضبط المنافذ الجمركية بوسائل تقنية حديثة ودعم الصناعة المحلية.