لم يخطئ من توقّع بأنّ غياب الجنرال خليفة حفتر، سوف يمثّل بُقعة ضوء في ظلمة الحالة السياسيّة الليبيّة. فغياب الرجل القويّ الذي آمن بالحلول الآتية من فوهة البندقيّة، أعطى دفعة، وإن كانت خفيفة حتى الآن، للمسار السياسيّ المتعطّل.

خالد المشري، وهو الرئيس المنتخب حديثاً على رأس «المجلس الأعلى للدولة» (سلطات الغرب) المنبثق عن «اتفاق الصخيرات»، لم يفوّت الكثير من الوقت ليستغل غياب حفتر، فبعد أيام قليلة من تأكيد عجز الأخير عن الظهور علناً، اقترح الرجل إعادة الروح للحوار بين شطري البلاد. وهكذا جرت المقابلة بين المشري ورئيس البرلمان (شرق) عقيلة صالح، الذي استُدعي إلى الرباط تحت غطاء دعوة رئيس البرلمان المغربيّ، وهذا حدث في حدّ ذاته يستحقّ التوقّف عنده.
في حديث إلى «الأخبار»، يشرح الباحث الليبيّ بشير الزواوي أهميّة الأمر، وخاصة أنّ «اللقاء يُعتبر أكثر من مجرد لقاء عادي، والتغيّر في نبرة خطاب عقيلة واضح، فهو الذي كان لا يعترف بوجود مجلس الدولة نجده الآن يناديه باسمه ويؤكد على صفة رئيسه».
لم ينحصر اللقاء بين الرجلين فقط، فقد شمل أيضاً أعضاء في البرلمان من مدينة مصراتة، وهي إحدى أهمّ المدن في غرب البلاد من ناحية الثقل السياسيّ والعسكريّ. وأظهرت صور نشرها طرفا اللقاء، عقيلة صالح وهو يتوسّط النواب «المقاطعين» لأعمال البرلمان المتركز في مدينة طبرق الشرقيّة، وهم: فتحي باشاغا، سليمان الفقيه، محمد الرعيض وأبو القاسم قزيط.
من جهة أخرى، رغم أنّ البادرة كسرت جموداً طويلاً في العلاقات، يقول الزواوي: «حالياً، لا يبدو أنّ لقاء الرباط سيسفر عن نتائج سريعة»، ولا تأتي شكوك الباحث الليبيّ من فراغ، إذ يشرح أنّ نتائج اللقاء تبقى رهن «رجوع كلا الطرفين إلى قواعدهما لعرض ما هو مطروح بينهما». وبالنسبة إليه، تمثّل النقطة الأكثر حساسيّة تلك المرتبطة بإقرار الدستور عبر الاستفتاء، إذ «بالتأكيد أنّ دعاة الفدرالية في شرق البلاد غير راضين عن مسودة الدستور، وبالتالي غير راضين عن عرضه على الاستفتاء، وسيكون عقيلة معرضاً للضغط من قبل هذه الأطراف».

لم ينحصر اللقاء الذي انعقد في الرباط بين المشري وصالح فقط


يرتكز كلام الزواوي على الواقع السياسيّ السائد داخل البرلمان، حيث توجد كتلة كبيرة من النواب الداعين إلى تغيير نظام البلاد إلى الفدراليّة. من بين أبرز هؤلاء أبو بكر بعيرة الذي خسر انتخابات رئاسة البرلمان أمام صالح بفارق عدد قليل من الأصوات. وترتكز دعوة «الفدراليّين» على «مظلوميّة إقليم برقة» (شرق ليبيا) زمن حكم العقيد القذاقي، بعدما كان يحظى بمكانة أهم في زمن الملكيّة، ويستفيد هؤلاء من وضع الانقسام القائم باحتضان الإقليم لمقرَي البرلمان وحكومة عبد الله الثني غير المعترف بها دوليّاً.
النقاط الأخرى التي تحدث فيها الوفدان اللذان اجتمعا في الرباط، تبدو بدورها صعبة التقبّل لدى المعسكرين، وتشمل تعديل «الاتفاق السياسيّ» بحيث تقلّص تركيبة «المجلس الرئاسيّ» إلى رئيس ونائبين، ويتولى هذا المجلس تعيين رئيس حكومة تشرف على الاستفتاء والانتخابات. لكن الوصول إلى توافقات في هذه النقاط سيكون أسهل مقارنة مع بقية النقاط، وخاصة في ظل غياب حفتر، وإلى جانب أنّ المشري ينتمي إلى «جماعة الإخوان المسلمين» صاحبة المواقف الأكثر تصلباً عادة ضمن تحالف سلطة غرب البلاد.
برغم ذلك، لا يريد بشير الزواوي الدفع بحدود الأمل إلى أقصاها، إذ بالنسبة إليه «لا يزال الوقت مبكراً جداً، فيجب الخوض في تركيبة وتفاصيل الأسماء المقترحة لهذا التعديل، وأيضاً أمور مثل هوية رئيس الحكومة الذي سيتولى السلطة التنفيذية». ويبدو ملف التوافقات السياسيّة الآن رهين ورقة تجربة ألقاها صالح وتتمثّل في اشتراطه مصادقة «مجلس الدولة» على محافظ البنك المركزيّ الذي انتخبه البرلمان.
لكن أخطر النقاط على الإطلاق، وفق الباحث الليبي، ترتبط بالمؤسسة العسكريّة التي راج حولها كثير من الأخبار في الأيام الماضية، وخاصّة في ما يتعلّق بترتيبات تعيين خلف لخليفة حفتر الذي يبدو رجوعه على رأس القوات العسكريّة في شرق البلاد أمراً مستبعداً، على الأقلّ في المستقبل المنظور. ويرى الزواوي أنّ هذا «الأمر يبدو غامضاً جداً ولا يُتوقع أن تكون هناك تفاصيل أيضاً لأن ممثل البرلمان سيشدد بالتأكيد على أن القيادة تعمل وأنّه توجد بالفعل تراتبية في الجيش»، أي أنّ صالح سيحاول اختبار مدى ليونة سلطات طرابلس باشتراط دمج قواتها ضمن الهيكل الموجود في الشرق تحت مسمى «القوات المسلحة الليبيّة». تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الاعتراض الرئيسيّ الذي أبدته الميليشيات المهيمنة في غرب البلاد على توحيد المؤسسة العسكريّة تركّز حول شخص حفتر، وربما يساهم تأكد غيابه (المؤقت حتى الآن) في تحريك هذا الملف ضمن النقاشات التي تحتضنها القاهرة في هذا الصدد. وبطبيعة الحال، سيبقى كل ذلك رهناً بالقبول الإقليمي، وخاصة من قبل القاهرة وأبو ظبي، لما جرى في المغرب تحت رعاية فرنسية وأميركية يبدو أن لا لبس فيها.