غزة | في اليوم نفسه لفتح ملف المخطوفين الفلسطينيين في الأراضي المصرية، الذين تخطى عددهم 15 غزياً، علمت «الأخبار» أن تعامل السلطات المصرية مع وفد «حماس»، وإلى حدٍّ ما وفد «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، اللذين عادا إلى قطاع غزة أول من أمس كان «خشناً»، وخاصة بعدما رفضت الحركة المطالب المصرية بما فيها وقف «مسيرات العودة». فللمرة الأولى، تعترض جهات أمنية مصرية (تابعة لجهاز «المخابرات الحربية») الوفد أثناء عودته وتُفتش السيارات والأمتعة، إذ صادرت عدداً من الحقائب والصناديق، تبيّن أن فيها أموالاً كانت في طريقها إلى غزة، وذلك من على معبر رفح.

ووفق ما تأكد حتى الآن، لم تثمر الزيارة عن تحقيق أي مكسب سياسي أو اقتصادي لغزة، إذ طلبت السلطات المصرية من وفد «حماس» قبول مطالب رئيس السلطة محمود عباس، والمشاركة في «المجلس الوطني»، كشرط للضغط الموازي بعدها على عباس حتى يوقف عقوباته عن القطاع، الأمر الذي رفضته الحركة، بل طلبت تنفيذ اتفاقات المصالحة التي رعتها القاهرة وتعهدت تنفيذها، وهو ما رأت فيه الأخيرة «تعنتاً». وسط ذلك، تقول المصادر المواكبة للزيارة إن السلطات المصرية «رفضت جميع الطلبات التي تقدمت بها حماس في ما يتعلق بالمصالحة أو تحسين الواقع الاقتصادي في القطاع»، الأمر الذي يشير إلى عودة التوتر في العلاقة بين الطرفين.
من جهة أخرى، يبدو أن العقوبات المشددة التي يفرضها عباس على غزة، والتي تتزايد وتيرتها وأثرها يوماً تلو الآخر، وصلت إلى حدود الأزمة حتى في توفير الطعام اليومي، وخاصة لدى الفئات التي تتقاضى رواتبها من السلطة، وأبرزها الموظفون التابعون لها في القطاع، بعدما تأخرت رواتبهم، عن آذار الماضي، منذ ثلاثة أسابيع، رغم بعض التصريحات بقرب صرفها لاحتواء الموقف. هذا الوضع دفع عدداً منهم إلى تنظيم وقفات احتجاجية أمس، في وقت أوقفت فيه السلطة رواتب فئات أخرى هي الأكثر عوزاً والمسماة «الشؤون الاجتماعية»، أي الحالات المعدومة والمرضى والأيتام الذين كانت تصرف لهم دفعات مالية كل ثلاثة أشهر بقيمة 450 دولاراً.

تتوسع الفئات التي طاولتها عقوبات السلطة لتشمل الأسرى وعائلات الشهداء


ويبلغ عدد موظفي السلطة الذين يتقاضون رواتبهم من حكومة «الوفاق الوطني» في رام الله أكثر من 45 ألف موظف، فيما يبلغ عدد الأسر المستفيدة من برنامج «الشؤون» قرابة 77 ألفاً. لكن الخطوة التي مثلت ضربة مادية ومعنوية في آن هي قرار السلطة وقف رواتب أسرى غزة المسجونين لدى العدو الإسرائيلي، ما دفع هؤلاء إلى إصدار «بيان رقم واحد» الذي هددوا فيه باستخدام سلاح «الجوع» (في إشارة إلى الإضراب عن الطعام).
ومع أن هذه الخطوة التصعيدية تأتي بعد عام واحد على إضراب الأسرى في سجون الاحتلال، الذي علت بعده المطالبات الأميركية والإسرائيلية بوقف مخصصات الأسرى، والضغط على السلطة لفعل ذلك، فإنه جاء متحيزاً ضد الأسرى المنتمين بأصلهم إلى القطاع (عددهم نحو 330 من أصل 6500). أيضاً، علمت «الأخبار» أن رام الله قررت وقف صرف أي مخصصات مالية خلال الشهر الجاري للجرحى وأسر الشهداء عبر «مؤسسة رعاية الشهداء والجرحى» التابعة لـ«منظمة التحرير»، التي يستفيد منها أكثر من 30 ألف أسرة.
بذلك، تضع الخطوات العقابية الأخيرة فئات ذات رمزية تحت «مقصلة» العقوبات، كما تزيد عدد المعوزين في غزة إلى مئات الآلاف، وهو الأمر الذي تسعى به السلطة و«فتح» ــ وفق تصريحات واضحة ــ إلى الضغط على «حماس» كي تقبل تسليم غزة كلياً، وهو ما ترفضه الحركة استناداً إلى اتفاقات المصالحة التي يبدو أن بنودها تغيرت بالنسبة إلى «فتح» منذ التفجير الذي استهدف موكب رئيس الوزراء رامي الحمد الله شمال القطاع الشهر الماضي.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، فقد علمت «الأخبار» أن السلطة انتهجت سياسات أكثر تشدداً مع التجار في غزة على المعابر التي تسلّمتها من «حماس» نهاية العام الماضي ضمن اتفاق المصالحة، فباتت تفرض ما يقارب 2200$ على كل حاوية تدخل إلى القطاع تحت بند «التعلية الجمركية»، وهو ما يعادل ضعفي ما كان يدفعه التجار لحكومة غزة قبل تسليم المعبر. هذه الخطوة دفعت مؤسسات القطاع الخاص إلى التهديد بإعلان «عصيان اقتصادي قريب جداً» بسبب ما آل إليه الوضع، وذلك في خطوات تشمل إغلاق المعابر كافة ووقف حركة الاستيراد ودخول البضائع إلى غزة والتوقف عن دفع أي ضرائب.
في الوقت نفسه، عمدت السلطة إلى التضييق حتى على المؤسسات التي يدعمها النائب المفصول من حركة «فتح» محمد دحلان، وخاصة «لجنة التكافل الاجتماعي»، إذ أوعزت إلى عدد من المؤسسات التعليمية التابعة لها، وخاصة جامعة الأزهر وجامعة الأقصى، بتجنب التعامل مع اللجنة في مشروع دفع رسوم الطلاب ورسوم التخرج عنهم.
جراء هذه الأزمة، طالبت «شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية» ومنظمات حقوق الإنسان في بيان وقّعته أكثر من 100 منظمة رئيس السلطة، عباس، بصرف رواتب الموظفين في غزة في ظل أن «القطاع دخل في حالة انهيار اقتصادي متسارعة وغير مسبوقة».
إلى ذلك، وافقت السلطات المصرية على إدخال جثمان الشهيد القسامي فادي البطش إلى غزة، وذلك كما أعلن السفير الفلسطيني في كوالالمبور، أنور الآغا، لبعض وسائل الإعلام. ومن المتوقع أن يصل جثمانه مساء اليوم الأربعاء، وهو أمر إذا تم فسيعني رفض القاهرة للطلب الإسرائيلي بمنع إدخاله.