الجزائر | 38 عاماً مرّت على تلك الأحداث التي أفرزها قرار «متهور» صدر عن محافظ الحزب بالمدينة محمد بورزام، يقضي بمنع محاضرة كان سيقدمها الكاتب مولود معمري، أمام الطلاب حول «الشعر البربري القديم».

طرَحَ كثيرون السؤال وقتها: لماذا تُمنع محاضرة حول الشعر البربري القديم؟ ما الخطر الذي تُشكِّله على البلاد والعباد والعبيد والأسياد؟ طَرحَ الناس السؤال لأنّ المحاضرة موضوعها ثقافي غارق في القدم، والذي سيحضرها هو ابن المحافظة وهو كاتب في الثالثة والستين من العمر ويُعرف عنه أنه بمستوى عال من الثقافة والرزانة والاتزان. درس طويلاً في بلدته وفي المغرب وفرنسا وصار مُدرِّساً لسنوات طويلة خلال فترة الاحتلال ثم صار مؤسساً ورئيساً لاتحاد الكتاب الجزائريين بعد الاستقلال. وعمل أستاذاً في مادة الاثنولوجيا في جامعة الجزائر لسنين.


ما الخطر الذي تشكله المحاضرة والمحاضر على المتلقي وعلى المجتمع؟ ولماذا يمنعها محافظ لا يتحرك إلا بتعليمات من رؤسائه في المركز؟... ولماذا قاد هذا المحافظ تظاهرة مضادة للمحتجين، جيء بالمشاركين فيها من مناطق بعيدة يعرفهم الجميع أنّهم ناطقون بالعربية؟ ولماذا اختار أن يكون الشعار الذي يردده المتظاهرون «رب واحد؛ حزب واحد؛ لغة واحدة» مع كل ما يمثله ذلك من تحد واستفزاز ليس فقط للمحتجين الغاضبين الذين فجّروا للمرة الأولى مسألة الهوية بذلك الحجم، بل لعموم السكان؟... وأسئلة كثيرة أخرى ملأت حديث الناس في الشارع والمقهى والسوق والجامعة والمدرسة والبيت، بينما كانت طلقات الرصاص والكلاب المدربة تلاحق الطلاب ثم صارت تلاحق كل متحرك بالمدينة، فأُصيب من أُصيب واعتُقل من اعتقل. وعملت وسائل الإعلام الحكومية على بث تعليقات وتصريحات لمسؤولين تصبُّ في شيطنة سكان المنطقة ونعتهم بالانفصاليين، فيما نقلت صحف وتلفزيونات وإذاعات أجنبية، الفرنسية منها على الخصوص، صوراً عن عنف قوى الأمن، وتناولت تقاريرها تفاصيل الأحداث.
عادت إلى الأذهان في تلك الأثناء مشاهد مأسوية اعتقد الجزائريون أنّهم تجاوزوها إلى الأبد، أولها تلك التي أعقبت الانقلاب العسكري على حكومة الرئيس أحمد بن بلة في 19 حزيران/ يونيو 1965 حين اعتقلت السلطات العسكرية قادة «منظمة المقاومة الشعبية» التي تأسست لمواجهة الانقلاب، وفي مقدمهم الكاتب المؤرخ محمد حربي والقيادي اليساري في «جبهة التحرير» حسين زهوان، والأمين الأول للحزب الشيوعي البشير حاج علي، وعشرات من الكوادر في الحزبين وفي الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين. جرى تعذيب المعتقلين بذات الطرق التي استخدمها جلادو الاحتلال لافتكاك معلومات من الثوار خلال حرب الاستقلال. وتم تعذيب البشير حاج علي وهو شاعر وفنان من قادة الاستخبارات كي يُعطي المعلومات في شأن حزبه لتفكيكه. قال لجلاديه: «أنا أتوجع، لو طلبتم مني ما أملك لأعطيته لكم كي أُنقِذ نفسي من الوجع لكن انتم تطلبون مني أن أُعطيكم ما لا أملك... الحزب ملك الناس وليس ملكي»، وسكت حتى أُصيب بمرض مزمن جراء التعذيب.
عادت إلى الأذهان مشاهد مأسوية اعتقد الجزائريون أنّهم تجاوزوها


أما المشهد الثاني الذي ذكّرت به أحداث تيزي وزو، فهو مطاردات الطلاب في الفترة بين 1965 و1971 بعدما رفض الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين الاستسلام لقائد الحزب قايد أحمد، وأخذ التعليمات منه وإعادة الهيكلة بحسب القواعد التي وضعها الحزب لِما كان يسمى «المنظمات الجماهيرية». في تلك الأحداث قُتل طلاب وأُصيب آخرون وسجن كثيرون وأُجبِر آخرون على أداء الخدمة الوطنية (العسكرية) مبكراً. لكن تلك المشاهد المؤلمة تجاوزتها سياسة جديدة سنّتها الدولة بإطلاق برنامج إصلاح واسع بداية من عام 1972، شكّل ما يُشبه الانقلاب على السياسة السابقة، خصوصاً في التعاطي مع القوى المعارضة، إذ تراجعت الاعتقالات السياسية وبدأ عهد الاستقرار والتنمية بمشاريع ضخمة استوعبت مئات الآلاف من الناس وتقلصت البطالة وتحسن الوضع المعيشي. وانخرط حتى الشيوعيون المضطهدون قبل سنوات، في التنمية والتزموا بالتعاون مع النظام طالما يعمل للاقلاع الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية. وكانوا من أهم الدافعين نحو الإصلاح الزراعي عبر تجنيد قواهم في الجامعات وفي النقابات العمالية للخروج إلى الأرياف بغرض شرح أهمية الثورة الزراعية وتبسيط قوانينها حتى يستوعبها المزارعون.
في آخر كانون الأول/ ديسمبر 1978 رحل الرئيس هواري بومدين، وولّى الجيش الشاذلي بن جديد رئيساً (كاختيار ثالث) بعد أزمة حادة كادت تقود البلد نحو الحرب بسبب التنافس على المنصب بين المسؤول التنفيذي لجهاز الحزب محمد الصالح يحياوي، ووزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة، وكلاهما خرج من حرب الاستقلال ضابطاً، وكلاهما عضو في «مجلس الثورة» الذي يضم ضباطاً سامين شاركوا في انقلاب 1965 وشكلوا القيادة العليا للبلاد، وكان من ضمنها أيضاً الشاذلي بن جديد. وبيّنت الأحداث المتلاحقة والسياسة التي انتهجها الفريق الجديد في السنوات اللاحقة، أنّ منع إلقاء محاضرة حول الشعر في جامعة مدينة تيزي وزو لم تكن إلا بداية لتغيّر دراماتيكي ستعرفه البلاد، أدى بها الى ما آلت إليه لاحقاً من الاقتتال والدمار. فلأنّ القوى اليسارية والديموقراطية تعاطفت مع الطلاب والمناضلين المعتقلين الذين يواجهون عقوبات ظالمة والتفت حولهم وحول مطالبهم باحترام الثقافة الأمازيغية، صارت خصماً للنظام يستحق العقاب. وبعد شهور من تلك الأحداث، أصدر الحزب قانون «أبرتايد» يمنع من لا ينتسب إليه من منصب مسؤولية حتى إذا كان تقنياً. فاختار الآلاف مغادرة مناصبهم على أن يرضخوا للابتزاز الرسمي... أما اليوم، فبتلك التضحيات اشتعل الوطن شعراً، وصارت الأمازيغية لغة وطنية ورسمية وفق الدستور، تُدرَّسُ في المدرسة ولها أكاديمية تشتغل تحت رعاية رئاسة الجمهورية.