في وقت تستعدّ فيه العاصمة اليمنية صنعاء لتشييعٍ يُتوقّع أن يكون الأضخم في تاريخ البلاد، للرئيس الشهيد صالح الصماد يوم غدٍ السبت، مُرجِئةً لقاءاتها بالمبعوث الأممي مارتن غريفيث، الذي ألغى زيارة كانت مُقرّرة إليها، تتزايد حدّة التوتر في صفوف معسكر «التحالف» على خلفية تسليم نجل شقيق الرئيس السابق، طارق محمد صالح، دفّة القيادة على الساحل الغربي. وهو ما يُترجم اشتباكات عنيفة لا تكاد تهدأ حتى تعاوِد الاندلاع في محافظة تعز، في حين يجد حلفاء الإمارات في الجنوب أنفسهم عاجزين عن التحرك، على الرغم من «الاستفزازات» المتواصلة لهم، والتي تجلّى أحدثها في جولة لرئيس حكومة الرئيس المستقيل، أحمد عبيد بن دغر، على المحافظات الجنوبية، دشّن خلالها عدداً من المشاريع.

ومع انطلاق التحضيرات لتشييع الشهيد الصماد، والتي حملت «أنصار الله» على الاعتذار عن عدم استقبال غريفيث الذي بدأ من الرياض جولة جديدة كان يُفترض أن تقوده إلى صنعاء، تواصلت ردود الفعل الداخلية والخارجية المندّدة بالاغتيال. وبرز من بين تلك الردود، أمس، تصريح صادر عن مصدر رسمي في وزارة الخارجية السورية، دان «بشدة» اغتيال الصماد «بآلة قتل النظام الوهابي السعودي»، لافتاً إلى أن «هذه الجريمة البشعة تأتي استمراراً للمحرقة التي يرتكبها آل سعود بحق الشعب اليمني». وأكد المصدر، في تصريح إلى وكالة الأنباء السورية الرسمية، أن «المشروع السعودي في اليمن آيل للسقوط لا محالة كما هو حال مشروعهم المهزوم في سوريا»، مضيفاً أن «الشعب اليمني الأبيّ، الذي لم يرضخ في تاريخه لأي قوة خارجية، سيعرف كيف يواجه هذا العدوان السعودي بصموده، ويحافظ على سيادة واستقلال ووحدة اليمن».
في غضون ذلك، حدّدت اللجنة المُنظِّمة لتشييع الشهيد الصماد ورفاقه ميدان السبعين في العاصمة مكاناً لإقامة المراسم التي ستبدأ عقب الصلاة على جثامين الشهداء في مسجد الشعب، داعيةً «جماهير الشعب اليمني إلى الاحتشاد الكبير والمشرّف... وفاءً وعرفاناً بتضحيات الشهيد... وتأكيداً على المضيّ في دربه». وسَبَق صدورَ بيان اللجنة انعقادُ اجتماع أمني وعسكري في صنعاء برئاسة وزير الدفاع في حكومة الإنقاذ، محمد ناصر العاطفي، لمناقشة الترتيبات الجارية للفعالية. وقال العاطفي، خلال الاجتماع، إن «كل القادة اليمنيين المواجهين للعدوان هم مشاريع شهادة»، مشيداً بمواقف الصماد و«أدواره الوطنية الشجاعة»، في حين شدّد القادة الحاضرون على أنهم «لن يألوا جهداً في مواصلة التحشيد واكتساب القوة في مواجهة العدوان الغاشم، وفي توجيه الرد القاسي والمناسب على جريمة العدوان النكراء».

يُشيَّع الصماد صباح السبت في ميدان السبعين بالعاصمة صنعاء


على المقلب المضاد، وفي الوقت الذي كانت قيادة تحالف العدوان تنتظر فيه حدوث شرخ في صفوف «أنصار الله» على خلفية اغتيال الرئيس الصماد، جاء تفاقم الخلاف بين الحلفاء المحليين لـ«التحالف»، واتخاذه شكل مواجهة عسكرية في محافظة تعز، ليزيد حسابات السعودية والإمارات، خصوصاً في ما يتصل بمعركة الساحل الغربي، تعقيداً. إذ تجدّدت، أمس، المعارك بين مسلّحين موالين لحزب «الإصلاح» (إخوان مسلمون) وآخرين تابعين لميليشيا «كتائب أبو العباس» السلفية الموالية للإمارات، في عدد من أحياء وسط تعز. وأفادت مصادر محلية بأن الاشتباكات التي استُخدمت فيها الأسلحة المتوسطة والخفيفة، أدّت إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، فضلاً عن توقف الحركة التجارية بشكل كامل.
وكانت المواجهات قد بدأت يوم الإثنين الماضي، عقب إقرار اللجنة الأمنية برئاسة المحافظ أمين محمود إطلاق حملة لملاحقة المتورّطين في اغتيال الموظف اللبناني في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حنا لحود. لكن «قيادة المحور»، المحسوبة على «الإصلاح»، والتي أوكِل إليها تنفيذ الحملة، حاولت على ما يبدو استثمار توجيهات المحافظ في تصفية حساباتها مع ميليشيا «أبو العباس». وهو ما حمل الأخيرة على الاستنفار، واتخاذ مواقع دفاعية، سعياً للاحتفاظ بما تملكه من مساحة نفوذ في المدينة. وعلى الرغم من جهود الوساطة التي يقودها، منذ أول من أمس، وكيل المحافظة عارف جامل، بهدف إيقاف المواجهات، إلا أن مساعيه لم يُكتب لها النجاح، إذ لم يكد يتمّ الاتفاق على وقف إطلاق النار، وإخلاء «كتائب أبو العباس» لعدد من مقارّها، حتى عاود الطرفان الاشتباك، في ظل توقعات بتوسّع رقعة المعركة واحتدامها؛ كون «الصراع دخل مرحلة كسر عظم»، بحسب متابعين لمجريات الأمور في تعز.
وإذ يبدو أن «المتضرّرين» في محافظة تعز من خطط «التحالف» الجديدة، وفي مقدمهم حزب «الإصلاح»، لا يزالون قادرين على إثبات حضورهم، وإيصال رسائلهم التحذيرية إلى كل من الرياض وأبو ظبي، بعدما بدأوا التعبير عن سخطهم بتحركات رافضة لوجود طارق صالح في مدينة المخا، فإن حلفاء الإمارات في مدينة عدن، وعلى رأسهم «المجلس الانتقالي الجنوبي»، يظهرون شبه عاجزين عن «فرملة» الاتجاه المضادّ لنفوذهم، والذي يواصل صعوده في صورة جولات متنقلة لرئيس حكومة عبد ربه منصور هادي، الذي حطّ أمس في مدينة سيئون بمحافظة حضرموت حيث افتتح مشروع محطة كهربائية بقدرة 75 ميغاوات. تحركات يَلزم «الانتقالي» إزاءها الصمت، تماماً كما يفعل حيال «المضايقات» الإماراتية المستمرة له، والتي تَمثّل آخرها في احتجاز المرافق الشخصي لرئيس «الانتقالي»، عيدروس الزبيدي، على خلفية قيامه بإنزال العلم اليمني من على سارية أحد الملاعب في عدن، والتلويح باعتقال كلّ من يقدم على خطوة مماثلة، فضلاً عن الترويج لإمكانية انطلاق حملة لإزالة أعلام دولة الجنوب السابقة (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) من المدينة.