ثبّت أحمد نظره على النافذة المفتوحة، وهو مُذ بات مقعداً، غيّر وجهة صلاته، فبات يستيقظ صباحاً ليغرق في دموع والدته ثم يعود ثانية إلى عموده الأبدي (السرير). ذهب إلى الحرب بصفته مدافعاً لا غازياً لأرض كان هو ورفاقه قمحها وزرعها. وهناك، في أرض المعركة، حيث لا يتكاثر إلا الدم، بنوا بيوتاً من الحجر، ربّوا الدجاج وزرعوا الحبق، ومن أسلاك الكهرباء صنعوا أوتاراً للعود وعزفوا، وفي الباقي من الوقت، ثبّتوا عقارب ساعتهم على قواعد الاشتباك وعلى ما بقي من قواعد للحب القادم من الريف النقي، قبل أن يعود ويثبّت نفسه إلى الأبد في كرسيه المتحرك.

اليوم، المعركة انحسرت، وبدأت الثلوج بالذوبان، والمروج اليابسة تكشف عمق الخسارة والمشافي المخصصة لجنود الجيش وجرحاه تكشف حجم العار كحقيقة تقف على قدمين وتحمل رأساً وكتفين. العار الذي يسأل عن عيون ترعى ما بقي من هؤلاء الشباب، والحقيقة التي تقول: إنه الخاسر الأكبر، ذاك الجندي الذي فقد عينيه، وذاك الذي فقد قدميه، وذاك الذي قيّد نفسه إلى السرير كي لا يسقط، وذاك الذي اتكأ على العصا، وذاك الذي أهدى حبيبته ما بقي من نور في عينه اليتيمة المفتوحة على العتمة، ومن بقي يقول: «ركبنا مكسورة لكننا واقفون».
يزحف جنود الجيش البريطاني على معدة مملوءة بنقانق الدجاج والفاصوليا، ويزحف الجيش التايلاندي على اللحم بالفلفل وصلصة السمك، في نيوزيلندا يقدم للجيش الدجاج الدسم والبطاطس، وفي روسيا يزحف أفراد الجيش على معدة متخمة باللحم البقري وشحم الخنزير المملح، أما الولايات المتحدة، فكانت أول من قدم للجنود المقاتلين وجبة الإعاشة المملوءة بالسعرات الحرارية والكربوهيدرات. على هذه المعدة المملوءة والمتخمة تزحف جيوش العالم في حالات السلم، أما جنود الجيش السوري فهم يزحفون منذ بداية الحرب على معدة متخمة بـ«حبة بطاطا، حبة بندورة، بيضة مسلوقة إضافة إلى الخبز». حبة البندورة لم تكن تأتي يومياً، وعندما كانت تأتي، كان أدهم (اسم مستعار) يقسمها مناصفة بينه وبين «فأرة بيضاء»، استضافها على مائدته الصغيرة طوال مدة خدمته في الزبداني. هي الكائن الحي الوحيد الذي التقاه هناك، يقول: «كنت أدللها كما لو أنها طفل، أتحدث معها، كانت تأتي مسرعة تخطف حصتها من حصتي وترحل».

لم يمتلك وزير من الوزراء إرادة البقاء على سيارة واحدة


مشهد جرحى الجيش في المشافي ومشهد عودة الغوطة وفرح الناس قاطعه مشهد التعفيش الذي بات يتكرر مع تحرير كل منطقة، والكل ينتظر جواباً لسؤال: كيف يصمد جنود في المعركة ولا يصمدون أمام الغنيمة؟
قبل الجواب وقبل الحرب، لم يستطع الجندي الصمود أمام فاتورة مطعم في باب توما، وقبلها لم يصمد أمام إيجار منزل في مزة 86 أو عش الورور، وقبلها لم يجرؤ على التفكير بالسكن في القصاع وأبو رمانة، وقبلها بخطوات، لم يملك الشجاعة الكافية لطلب وجبة سريعة من ماكدونالدز. على بعد خطوات من هذا الجندي، ما زال الضابط السوري يقاسم الجندي رغيفه، وهو يعلم أن هذا الجندي قد يترك عظامه بعد قليل في أرض المعركة ويرحل. إلى جوار هذا الضابط وفي البلد نفسه والظروف نفسها، لم يمتلك وزير من الوزراء طوال هذه الأزمة وما قبلها إرادة البقاء على سيارة واحدة والتنازل عما بقي من مخصصاته لإطعام الجيش ومعاينة جرحاه. ولم يجتهد أحدهم ليكون مسؤولاً منتصب القامة أمام مسؤوليته مسايرةً للبلد وحال أهلها. في الدائرة ذاتها، امتلكت الحكومة كل الوقت والمال لتحديد حجم الإنفاق الشهري على بنزين سيارات الوزراء، لكنها لم تمتلك الوقت ولا المال لشراء ما يكفي من أطراف اصطناعية ترمّم بها نفسيات الجنود الجرحى الذين كانوا وما زالوا سبباً في أمان مواكبهم، وها هي الصورة القادمة من عفرين تخبرنا عن سوري آخر يقوم بالتعفيش.
هذا هو منطق الأشياء بعد سبع سنوات من الحرب، وبعد سنوات من تصحر الريف السوري وتصحر النفوس، الجميع يتعامل مع الأشياء بمنطق الغنيمة. والجميع يريد أن يأكل الدنيا ويفكر كيف سيأكل الآخرة. الجميع يريد أن يتحول الى مستودع، الوزير في وزارته والضابط في ميدانه والجندي في معركته والموظف في وظيفته. وجد الجميع أنفسهم في لحظة ما أمام «غنيمة حرب»، فهمّوا باقتناص الفرصة قبل أن يستيقظ الوعي ويخبرهم أن من سلبوه ملعقته وصحنه هو سوري أيضاً، وأن حجارة الرصيف أكلت من يديه قبل أن يلملم ما تبعثر في لحظة. التعفيش قبل أن يكون منتجاً للحرب، هو ثقافة مجتمع تُربي نفسها بنفسها كأولاد الأزقة، جاءت الحرب وغذّتها، وأطعمها صقور الموالاة والمعارضة تطرّفاً في كومة قش أشعل مزيداً من الحرائق. وفي حساب النتائج، لم تنتج هذه الحرب من يعمل على تنظيف أيدي السوريين وتنظيف العلاقة بينهم، لم تنتج من يبني ضميراً يغمض عينيه ويمشي على قدم واحدة، أنتجت الحرب في قسمها الأول، معماريين مهرة وأصحاب خبرة في هندسة الانهيار، وفي قسمها الثاني، سوريين عرفوا كيف يعيشون عبقرية اغتصاب الحياة في مواجهة الموت. تبدو الحرب قريبة من نهايتها ويبدو أننا سنبقى في العراء.