من جرمانا يأتي أبو هشام يومياً إلى دمشق القديمة لبيع الحليب. لم ينقطع عن الحضور في أي يوم، حتى في الأيام المشؤومة التي كانت باب توما خلالها عرضةً للقذائف والموت الغادر. كما لو كانت أغنية يا «مال الشام» في خلفية المشهد، يمضي بائع الحليب المتجوّل إلى أزقة الشام القديمة على دراجته، حاملاً أواني الحليب المعدنية، ومتردداً على زبائنه المعتادين.


«لا بيتغيّر ولا بيتحول»، حسب كلمات الأغنية ذاتها، يبدو على حاله منذ ما قبل الحرب. ورغم أن «الكثير من الزبائن قد سافر خارج البلاد بفعل الحرب»، غير أن الرجل أصرّ على العيش والاستمرار في مهنته، رغم ازدياد صعوبتها وقلّة مواردها. سوق عمله اليومي منطقتا جرمانا وباب توما. يعرف دمشق القديمة شبراً شبراً، ويتبادل التحية على مفارقها مع من يعرفهم ومن لا يعرفهم. يبدو الرجل معتاداً التقاط الآخرين صوراً له على دراجته، إذ إن كثيرين يرون فيه إرادة العمل والحياة. «سعري بسعر زبايني»، هكذا يبرّر سعيه المشروع وراء الرزق، خلال أيام العنف السابقة، وهو القادم من منطقة لم تكن أكثر أمناً، على أية حال.