مع انسدال آخر أضواء النهار، وصل الجنرال الليبيّ خليفة حفتر إلى «مطار بنينا الدوليّ»، آتياً من القاهرة التي قابل فيها قيادات رفيعة المستوى. وجد في استقباله في الشرق الليبي طيفاً واسعاً من قيادات قواته العسكريّة وأعيان القبائل والمناطق الموالية له وعدد من أعضاء البرلمان. وعلى عكس الأخبار التي راجت على امتداد الأسبوعين الماضيين، والتي ذهبت إلى أنّ صحته لم تعد تسمح له بالنشاط، كان الرجل واقفاً على قدميه.

وفي قاعدة داخل المطار، تحدث حفتر وسط محفل مسانديه عمّا حدث، واصفاً ما جرى بـ«المحنة الغريبة»، واعتبر أنّ الأخبار حول صحّته «ترهات». وكما لو كانت هذه بداية جديدة له، أخذ الرجل في التذكير بهدفه قائلاً: «لن نقف أبداً حتى نحقق الهدف... لا بد أن تكون ليبيا خالية من المجموعات التي تعكّر صفو الليبيّين». لكن لعلّ أهم ما جدّ في هذا الصدد، هو حديثه عن قواته العسكريّة، حيث خاطب جمهوره قائلاً «هذا الجيش هو من سيوصلكم إلى ما تتمنون، ولن يتم ذلك عبر التمثيل كما يقولون لكم، عن طريق انتخابات»، مضيفاً: «قصدت تأخير عودتي لاختبار قواتنا المسلحة».
ويدفع هذا النوع من الخطابات إلى التذكير بنهج الرجل على امتداد الأعوام الأربعة السابقة، أي منذ إطلاقة «عمليّة الكرامة»، حيث اعتمد بصفة حصريّة على السلاح ورفض التفاوض السياسيّ مع السلطات المتمركزة في غرب البلاد. وكانت «الأخبار» قد ذكرت في عددها الصادر أمس، أنّه عقب عودة حفتر من باريس إلى القاهرة قبل ثلاثة أيام، التقى هناك «بمسؤولين عسكريين وبمسؤولين من الاستخبارات الحربية».

أي أفق؟
في حديث إلى «الأخبار»، يشير الباحث في الشأن الليبي طارق المجريسي إلى آثار «محنة» حفتر، معتبراً أنّ ما حصل «ألحق بصورته ضرراً شديداً، وعليه، كما على القوات المسلحة الليبيّة (ميليشياته)، الهرب من التدقيق السلبيّ الذي يلاحقهما»، موضحاً أنّ «السبيل الأمثل لإلهاء الجميع هو توجيه انتباههم نحو حرب جديدة، ولا عجب في ترافق هذا الإعلان مع عودته. سوف تحاول قواته نشر رسالة تقول إنّ الأمور ما زالت على حالها».
في هذا السياق، قد يُشكّل هدف الحسم في مدينة درنة، الهدف الأول لحفتر في المرحلة المقبلة، خاصة أنّ قواته تحاصر المدينة منذ عامين من دون أن تتمكن من النفاذ إليها. جدير بالذكر أنّه قبل يومين، وفي موازاة بدء بروز أخبار تتحدث عن تاريخ عودة حفتر، أصدر «مكتب الإعلام والتوثيق» في «إدارة الآليات العسكريّة» تسجيلاً مصوراً لعشرات الحافلات ووسائل النقل، رافقه بيان يقول بصدور تعليمات «بنقل 5 آلاف جندي». وبينما استمرت الصور والبيانات في التدفق في الساعات الأخيرة، أشارت معظم المعطيات إلى كون المسألة مرتبطة بدرنة التي سيكون إخضاعها انجازاً انتظره حفتر مدة طويلة، وكذلك مصر التي تحرص على الإسراع في حسم هذا الملف.

قال أمام الحاضرين: قصدتُ تأخير عودتي لاختبار قواتنا المسلحة


من جهته، يرى الباحث جلال حرشاوي أنّ حفتر «سيبذل بالتأكيد جهداً كبيراً في إبراز صورة تبعث على القوّة، الهدوء والتناسق العسكريّ». لكن، يشير حرشاوي إلى أنّ مرحلة ما بعد عودة الرجل لن تكون كسابقتها، إذ إنّ «الكثير من داعميه، سواء داخل ليبيا أو خارجها، لن ينسوا أنّ الحادث الصحيّ قد يتكرر، وقد انطلقوا في الإعداد لذلك الاحتمال». بدوره، يربط المجريسي بين الإعلان عن الحشد العسكريّ وما راج من أنباء «حول عودة حفتر لتعيين خليفة له»، معتبراً أنّه «إذا كان سيوجد خليفة، فإنّه سيتم على الأرجح تعيينه وإدماجه في المنظومة وراء الكواليس، أي بينما يكون الجميع في صدد مراقبة المواجهة الجديدة».
في غضون ذلك، نشر أول من أمس جوناثان وينر، وهو المبعوث الأميركيّ الخاصّ السابق إلى ليبيا، مقالاً بعنوان «مستقبل ليبيا أكبر من أيّ زعيم واحد»، صرّح فيه بما قاله له حفتر في جلسات مطوّلة قبل عامين حول مخططاته. يقول وينر لقد «أوضح (حفتر) أنّ جميع السياسيّين في ليبيا عديمو القيمة بالنسبة إليه»، وأنّ الحلّ لاستقرار البلاد يتمثّل في رأيه في «إخضاع ما يكفي منها بالقوّة وسيقبل بعدها البقيّة بسلطته، وحينها سيقوم بحلّ البرلمان والحكومة، ويعيّن حكاماً عسكريّين في المدن... ويحكم بواسطة المراسيم إلى حين تكون البلاد جاهزة للديموقراطيّة في فترة مستقبليّة غير محددة. وحينها سيكون سعيداً بالاستقالة».