تونس | حين انطلقت أعمال الهيئة الإدارية للاتحاد العام التونسي للشغل، يوم الإثنين الماضي، افتتحها أمين عام المركزية النقابية نور الدين الطبوبي، بالتشديد على أنّ النقابيين «يعرفون كيف يديرون خلافاتهم الداخلية، ويفقهون إدارة الأزمات وردّ الصاع صاعين». وحين انتهت أعمال الهيئة، كان الاعتقاد بأنّ المنظمة العمّالية القوية في تونس ستردّ «الصاعين» لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، بعدما نجحت في الابتعاد عن الزاوية التي حشرها فيها إثر إحسانه توظيف الإضراب المفتوح عن التدريس في التعليم الثانوي والامتناع عن تسليم أعداد الامتحانات الذي تنفّذه نقابة الثانوي التابعة للاتحاد.

جدير بالذكر أنّ الهيئة الإدارية لاتحاد الشغل تتكون أساساً من المكتب التنفيذي الوطني (أو المركزية النقابية) ومن «الكتّاب العامين» للنقابات القطاعية، إضافة إلى «الكتّاب العامين» لفروع الاتحاد في محافظات تونس الـ24.

أفق التمرد... المحدود
رغم رفض المركزية النقابية منذ البداية للإضراب، فإنّها احتضنته حتى مساء يوم الإثنين الماضي حين قررت هيئتها الإدارية دعوة نقابة التعليم الثانوي إلى استئناف الدروس في التعليم بعد تنفيذها الإضراب المفتوح لأسبوع، وإلى تسليم أعداد الامتحانات للإدارة بعد حجبها منذ بداية السنة.
كانت القصة ستنتهي عند هذا الحد، لكن حدث ما لم يكن متوقّعاً. فبعد نحو ساعة من قرار الهيئة، أعلنت نقابة الثانوي أنّ الإضراب المفتوح سيبقى سارياً، مضيفة أيضاً أنّ أعداد الامتحانات لن يتم تسليمها، وهذا إعلانٌ كانت له تداعيات بمثابة الصدمة داخل «الاتحاد» وخارجه، ولكن تواصل الإضراب عن التدريس في اليوم التالي وأثبتت النقابة أنّها تُمسك بـ«ماكينتها» جيّداً. ساعات بعد ذلك، عقدت نقابة الثانوي نفسها اجتماعاً موسعاً وقررت استئناف التدريس، لكن من دون تسليم أعداد الامتحانات، وهو ما يعني أنّ المواجهة التي كانت بين النقابة ووزارة التربية، ومن خلفها حكومة يوسف الشاهد، تحوّلت إلى مواجهة بين نقابة الثانوي والمركزية النقابية، وهذا ما اعتُبر نجاحاً للشاهد في تصدير الأزمة الى داخل «الاتحاد» والبقاء متفرّجاً.

اجتماع النقابة الذي امتدّ لنحو 10 ساعات، كان أمام احتمالين


المركزية النقابية التي عملت على إفشال تصدير الأزمة إلى داخل الاتحاد من خلال عدم اللجوء إلى تطبيق النظام الداخلي رغم تجاوزه عدة مرات من نقابة التعليم الثانوي، وجدت نفسها مضطرة إلى التلويح بتطبيقه. فلم يحصل في اتحاد الشغل أن جرت مخالفة قرار للهيئة الإدارية الوطنية التي تُمثِّل سلطة القرار الثالثة بعد المؤتمر العام والمجلس الوطني، وهو باب يجب عدم فتحه، وإلا فالعقد بين النقابات المنضوية تحت سقف الاتحاد سيتفكك وستحصل تجاوزات في قطاعات أخرى سبق أن كانت المركزية تقف أمامها بالمرصاد.
على سبيل المثال، في نهاية سنة 2017، ذهب قطاع المالية في إضراب لسبعة أيام متتالية، رغم رفضه من قبل المركزية النقابية. كانت النتيجة على الصعيد الداخلي تجميد النشاط النقابي لعدد من «الكتّاب العامين» للقطاع في المحافظات، ومن ثمّ التخلي عنهم. أمّا على مستوى وزارة المالية، فقد خضع العديد من المضربين للمساءلة الإدارية، نظراً إلى أنّ الإضراب اعتُبر غير قانوني بسبب عدم توقيع المركزية النقابية عليه، كما تنصّ «مجلة العمل» في تونس.
لكن للتعامل مع قطاع التعليم الثانوي حسابات أخرى. فتاريخياً، مثّل هذا القطاع إحدى ركائز الاتحاد والصفّ الأمامي في أيّ مواجهة مع السلطة، كما أنّ ضخامة القطاع تجعل وزنه في الاتحاد مغاير لوزن بقية القطاعات، فهو مُصدِّر أكبر عدد من نواب المؤتمرات العامة ويحتل رأس لائحة عدد المنضوين في الاتحاد بحوالى 50 ألف أستاذ ثانوي، كما أنّه قطاع متماسك داخلياً وتضامنه يفوق تضامن بقية القطاعات.

خياران لا ثالث لهما
حتى مساء أمس، كان أكيداً أنّ مجمل تلك الحسابات في التعامل مع قطاع الثانوي، ممثلاً بالنقابة (من كاتبها العام لسعد اليعقوبي، إلى أعضاء هيئتها الإدارية)، قد سقط، لتجاوز نقابة القطاع كل الخطوط الحمراء، بدايةً بحجب أعداد الامتحانات، ومن ثمّ الدخول في إضراب مفتوح من دون موافقة «المركزية»، وأخيراً الضرب بقرارات الهيئة الإدارية الوطنية عرض الحائط. وتدرك قيادات التعليم الثانوي جيداً أنّ الحصانة التي يوفّرها تاريخ قطاعهم، وضخامته، لن تصمد أمام ما يُعرف بـ«ماكينة الاتحاد» التي لوّحت المركزية النقابية بتوجيهها ضدّهم.
اجتماع النقابة الذي امتدّ لنحو 10 ساعات، كان أمام احتمالين: إمّا الخضوع لقرارات الهيئة الإدارية الوطنية لاتحاد الشغل، وبالتالي إفشال ما تعتبره المركزية النقابية مسعى رئيس الحكومة يوسف الشاهد لإحداث تصدّع داخل الاتحاد بغية إضعافه (خاصةً في ظل مطلبها بتغيير الشاهد)، أو مواصلة رفض تسليم أعداد الإاتحانات والتعرضّ للعقوبات التي ينصّ عليها النظام الداخلي للاتحاد، من تجميد النشاط وطرد، ولكن سيكون الشاهد في حينه قد نجح في ما فشل فيه العديدون من قبله. لكن في وقت متأخر من مساء أمس، انتهى الاجتماع الطويل بتبني الاحتمال الأول، لتُنهي نقابة التعليم «الأزمة»، معلنةً إرجاع أعداد الامتحانات، وبالتالي الاحتماء بخيمة «اتحاد الشغل» تحضيراً للمعارك المقبلة مع حكومة الشاهد.
لعلّ ما يجدر التذكير به هنا، هو تصريح أخير لأمين عام اتحاد الشغل، قال فيه: «الحكومة تُوظّف أزمة التعليم الثانوي لتشويه صورة الاتحاد، وتستعملها كمطية للضغط من أجل تسوية ملفات كبرى نتيجة اختلافات جوهرية وعميقة مع الاتحاد حول الخيارات التي يتم التلويح بها بخصوص التفويت (البيع) في القطاع العام».