هلا أبو بكر

في أيام النزوح وليالي البرد القارسة، كان لدينا طقس نمارسه يوم الجمعة عادة، ونحتال به على نسيان الحرب. هكذا، نجتمع كلنا، أي صبايا العائلة في الصالون، ثم نأتي بطنجرة لضرورات الإيقاع، نحضر الأراكيل، ثم نبدأ بالغناء والرقص. كانت تعلو أصوات أهالينا بالصراخ في المرات الأولى «مش وقتو هلق، إنو شو هالمسخرة يا»؟ أو مثلاً «شو فايقين ورايقين»! نحن لم نكن «فايقين» ولا «رايقين»، لكن حسب محمود درويش «في اللامبالاة فلسفة، إنها صفة من صفات الأمل».

وبهذا الأمل، ومع مرور أيام الجُمع، واحدة تلو أخرى، أصبح الجميع ينتظر نهاية الأسبوع لهذا المقدار من الفرح المسروق، حتى «ستي»! وفي يوم، آمن الجميع، وعكس توقعاتنا، بأن أصواتنا النشاز مع «عزف الطنجرة» تغلبت على أصوات القذائف، أما رقصنا فقد تغلب على ما هو أصعب: كان يتغلب على القهر.
أعراس الرجال في مخيماتنا عبارة عن دبكة تمتد من أول الحارة إلى نهايتها لتصل الحارات بعضها ببعض، في الدبكة إن كنت رافضاً أن تمسك بيد أحد جيرانك بسبب خلاف شخصي فسوف تمسك باليد التي بعدها، وإن كان لا يعجبك رقص أحدهم، فسوف تمشي على إيقاع قدميه لو غيرت مكانك، لينتهي المطاف برقص الجميع على النغمة نفسها، يداً بيد، لتكتمل الفرحة ولو تأفف البعض. غالباً ما يكون «الرويس» أو «الماسك ع الأول» في صف الدبكة، أكثرهم جدارة بالرقص، وأشدهم ضرباً للأرض بالقدمين وأكثرهم شموخاً. يجدر التنويه بأن ضربة الأرض في الدبكة تعني شدة التمسك بها، فإن سقط أحد الراقصين تنهار الدبكة كحجارة الدومينو، وإن أفلت أحد الراقصين يد صاحبه يفسد كل شيء.
هل كانت فعلاً خاصرة الراقصة أكثرنا إيماناً بالروح؟ وهل كان رقصها أهم من خطابات أغلب الساسة؟ وهل كان عليك أن تترك يدي في دبكة حارتنا لنفسد كل شيء؟
أمسك يدي من جديد، فلقد تعبنا من التعثر والوقوع على الأرض! أتعبنا وأتعبها حتى الرز فرغ من أيدي نسائنا واستبدلنا زغاريدهم بالنواح.
عندما يرقص الرجل مع امرأته في المنطقة العربية يمد يده بحيث تتمايل الأنثى تحت جناحيه بكامل أنوثتها، وهذا ما نخالف فيه الغرب، حيث يضع الرجل يديه على خصر امرأته.
في المنطقة العربية عندما ترقص المرأة بمفردها تبدو للكثير كما لو كانت تبيح جمالها للعامة. هكدا فعلنا بالأرض، جعلناها ترقص بمفردها من الألم، عجزنا أن نكون لها جناحاً، ولم نستطع حتى أن نقلد الغرب ونثبت أيدينا على الخاصرة، المحور.
في احتفالاتنا تستغل الفتيات كل مناسبة للظهور بأجمل حلة، وإن رأت إحدى الفتيات فارس أحلامها، فإنها ترقص وسط الجموع لتلفت انتباهه.
في احتفالاتنا القادمة، إن عدنا، سوف تجلس الكثير من الفتيات دون رقص أو رغبة به، لا لشيء بل لأن فارس أحلامهن غير موجود ولن يأتي بعد اليوم... كم فتاة سوف تنسى شكل الفستان الأبيض إلى الأبد؟ كم ينتظرنا بعد من الألم؟
آآآآآآخ، كم اشتقنا إلى أصوات شبابنا الخشنة «هات إيدك... علّي الصوت... قوّي الضربة... حبيبتي عم ترمي الرز... إمك عم تزلغط... شدّ... السهرة صباحي... وأهم شي ترقصش بالصف لحالك يا زلمة... وزّن خطوتك مع خطوتي»
الرقص هو اختصار الجمال عند خاصرة، في أيام الحرب، لا تنسوا احترام الخاصرة.