في 20 نيسان/أفريل الماضي، أسفر إحياء الذكرى الـ38 لما يُسمى «الربيع البربريّ» في الجزائر عن احتفالات وتظاهرات ثقافيّة، وأحيا كذلك النقاشات حول تطوّر الطموح «البربريّ» وترجماته الأيديولوجيّة والسياسيّة. وإن كانت تظاهرات عام 1980 في منطقة القبائل تُرسم اليوم كلحظة مفصليّة في الصراع من أجل الاعتراف وترسيم اللغة والثقافة «البربريّة»، ويَنظر البعض إلى دسترة الخصوصيّة والحقوق الثقافيّة بوصفها «استعادة لهويّة الجزائر التعدديّة»، فإنّ هذا التطوّر يدعو أيضاً إلى التساؤل: هل سيبقى الطموح البربريّ مختزلاً في تعبيراته اللغويّة والثقافيّة ضمن الإطار الوطنيّ والمقولات التعريفيّة للأمة؟ أم هل سيتجسّد في مرحلة أولى في مسعى قوميّ محتمل يتحدى أسس الدولة الجزائريّة نفسها؟

الحركة البربريّة التي مثّلتها لمدة طويلة «الحركة الثقافيّة البربريّة» خلال الثمانينيات، ثم تبنّتها أحزاب متعددة تحمل طابعاً مناطقيّاً، ومنظمات، بعد التحوّل إلى التعدديّة وفتح الحقلين الإعلاميّ والجمعياتيّ في عام 1989، انتهت بتفريخ تيارات أكثر جذريّة، على غرار «حركة الاستقلال الذاتيّ للقبائل ــــ ماك» التي تحمل برنامجاً انفصاليّاً يقطع مع كلّ أفق وطنيّ، وتلعب على وتر «عنصريّة عربيّة ـــ إسلاميّة» مزعومة، وتتبنّى خطابات عرقيّة (جوهرانيّة) تولّد أساطير تؤسس للحديث عن «أمّة» قبائليّة.
في مشروعها لتأسيس دولة قبائليّة، الذي تبنّته في 26 شباط/فيفري 2016، تؤكد حركة «ماك» أنّه «بصفتهم شعباً وأمّة، سوف يكون للقبائل دولة سيّدة خاصّة بهم... يقرر الشعب القبائليّ شكلها بحريّة وسياديّة من خلال استفتاء»، ما يعني تطوّر طموحها من الحكم الذاتيّ إلى مسعى استقلاليّ واضح يعتبر الدولة الجزائريّة استعماريّة، وذلك بعد قطعها مع الفكرة المقبولة منذ أمد بعيد، والقائلة بأنّ الهويّة «البربريّة»، «فوق قوميّة» (تتعدى القومية) وتُعوّض فكرة عروبة المغرب أو تتعايش معها. وبما أنّ جذورها المجاليّة والاجتماعيّة شديدة المحدوديّة، لم تكن الحركة البربريّة ممثّلة قطّ، لتنوّع واختلاف السكان «أصحاب اللسان البربريّ» الذين تطوروا في سياقات سياسيّة وثقافيّة مختلفة، ولا يحمل جميعهم نفس الرابط مع اللغة و«الهويّة».

العمود الفقريّ للحركة البربريّة ضعيف التجذّر في الأوساط الشعبيّة


من الناحية الاشتقاقيّة، يجب إعادة أصل كلمة «بربر» إلى الثقافة اليونانيّة اللاتينيّة التي استخدمت مصطلح «بربروس» لوصف الغريب الذي لا يتكلم لغتها، أي «غير المتحضّر». أما كلمة «بربر» في معناها الحاليّ، فهي اختراع سياسيّ استعماريّ مُؤسّس على مبدأ «فرّق تسد» الذي يصوغ ازدواجيّة جذريّة تُعلي «الهويّة البربريّة التقليديّة» لتُعارض بها العروبة. في دراسته حول إثنوغرافيّة تونس (1887)، كتب روني كولينيون (وقد اقتبسه جيل بوتش وجان نوآل فيري في إصدارهما «النموذج البربريّ: مقاربة في المنطق التصنيفيّ للأنثروبولوجيّين الفرنسيّين في القرن التاسع عشر») ما يأتي: «لم يكن العربيّ سوى مُحارب ومُدمّر... وسيكون من العادل إنهاء الأساطير المحيطة به، ثمّ منح البربريّ مرّة أخرى... فضل الإدارة الشرعيّة، حيث تجعل منه شجاعته وميزاته الفنيّة جديراً بها». ويُذكّر المؤلفان بأنّ وظيفة أسطورة البربريّة والاستمراريّة التاريخيّة لثقافة متجانسة تمتد لآلاف السنوات هي تأكيد «الوحدة الطبيعيّة للمجال الاستعماريّ الفرنسيّ، من المحيط الأطلسيّ إلى طرابلس... ونفي حقيقة الدول الأهليّة ـــ الإمبراطوريّة المغربيّة، إيالة الجزائر وإيالة تونس. لقد كان شمال أفريقيا منطقة موحّدة منحنا حدث 1830 الافتتاحيّ الحقّ فيها». وفي مواجهة الشحنة السلبيّة التي تكمن في مصطلح «بربر»، جرى تدريجيّاً استبداله، انطلاقاً من الثمانينيات، بمصطلح «أمازيغ»، وهو يمثّل تسمية إثنيّة استخدمها تاريخيّاً سكان المغرب الأوسط لوصف أنفسهم، كما يقول سالم شاكر أحد منظري النزعة البربريّة.
هكذا، وعلى غرار كلّ حركة هوياتيّة، أنتجت الحركة البربريّة أسطورة، وهي أسطورة وجود هويّة إثنو لغويّة تُسمى بربريّة، جامدة عبر الزمن والفضاء تحيل على خصوصيّة سكان شمال أفريقيا غير القابلة للاختزال. في خضم تلاعب مقاولين هوياتيّين بالذاكرة الجمعيّة، جرى إحياء التصوّر الاثنيّ الذي انتشر في القرن التاسع عشر لإقامة استمراريّة تاريخيّة وثقافيّة تتجاوز اختلاط السكان. التأكيد الجازم، لدى حملة الخطاب البربريّ، على الانتساب إلى بعض الممالك النوميديّة التي حكمت جزءاً من المجال الجزائريّ الحاليّ في الفترة الممتدة من 202 قبل الميلاد إلى 40 بعد الميلاد يُعدّ تزييفاً فظاً للتاريخ. تلك الممالك التي كانت البونيقيّة (إحدى اللهجات الفينيقيّة) لغتها الرسميّة، لم تكن متجذرة مجاليّاً أو مركزيّة أو موحّدة من الناحية اللغويّة والثقافيّة. وقد كانت لها علاقات فضفاضة مع المستعمرات القرطاجيّة والمركز الفينيقيّ، وأحياناً مع الإمبرياليّة الرومانيّة. كما أنّ الآراء الراسخة حول الراية المسماة «بربريّة»، التي رفعها مؤخراً «التجمع من أجل الثقافة والديموقراطيّة ـــ الأرسيدي» (وهو حزب جزائريّ من اليمين البربريّ) خلال تأسيس هيئة لـ«الأحزاب المغاربيّة الديموقراطيّة» في مدينة سوسة التونسيّة، والتي تقول إنّها رمز تراثيّ، فهي كذلك مخادعة. فبعد تبنّيها في التسعينيات من قبل «الكونغرس العالميّ الأمازيغيّ» (وهو منظمة مغربيّة غير حكومية وقريبة من المخزن، تحمل نزعة بربريّة عابرة للحدود وتجمع عدداً من الجمعيّات الثقافيّة والمنظمات غير الحكوميّة أثار بعضها جدلاً بسبب رغبتها في التطبيع مع الكيان الصهيونيّ، وتعرف بدعواتها المتكررة إلى التدخل الإمبرياليّ في المنطقة)، صارت في محور كثير من الأحداث المثيرة للجدل، وتسببت في حوادث كثيرة في الملاعب والأماكن العامّة.
من الناحية الطبقيّة، يمكن القول إنّ العمود الفقريّ للحركة البربريّة ضعيف التجذّر في الأوساط الشعبيّة. فهو نخبة متاجرة ومقاولة، إضافة إلى حواشي أخرى من الطبقات المتوسّطة والطلاب والتلاميذ والجامعيّين. الإضراب العام في 20 نيسان/أفريل 1980، الذي طبع «الربيع البربريّ»، اندلع بمبادرة من تجار في المدينة ولم ينبثق من الطبقات العماليّة أو الزراعية. وبينما لم تنقطع الحركة البربريّة عن التلويح بحجة اضطهاد أقليّة ثقافيّة تحمل هي صوتها لخوض صراع تخريبيّ «دونكيشوتيّ» (كان هدف التعريب تعويض الفرنسيّة وليس لجم اللغات الشعبيّة التي لم يكن لها استخدام عام)، ينزع التاريخ إلى إظهار أنّها صارت السند الرئيسيّ لأحد أجنحة النظام في هجمته الليبراليّة المضادة. وعلى الرغم من تلبيّة جميع مطالبها الأصليّة، تزداد الحركة البربريّة جذريّة، كما لو كان ذلك تأكيداً للحقيقة التاريخيّة القائلة بأنّ المتطرفين الهوياتيّين غالباً ما تُوظّفهم الطبقات المُهيمنة لغايات تتجاوز بشكل كبير الرهانات التي يحملها خطابها الظاهر.