يبدو أن السودان يتّجه إلى سحب قواته المشارِكة في عمليات تحالف العدوان على اليمن. هذا ما أوحى به التصريح الصادر، أمس، عن وزارة الدفاع، والذي جاء في أعقاب تعالي الأصوات المطالِبة بالانسحاب، وانضمام كتل مستقلة وحتى شخصيات سبق لها أن أيّدت إرسال قوات إلى الأراضي اليمنية إلى دائرة الرافضين للبقاء. ولئن كانت جملة أسباب سياسية واقتصادية حالت على مدار قرابة عام دون اتخاذ قرار من هذا النوع، إلا أن ما تستشعره الخرطوم اليوم من ضآلة في عوائد مشاركتها، معطوفة على تعاظم الخسائر البشرية في صفوف جنودها، فضلاً عن التمايز الذي لا يفتأ نظام عمر البشير يُسجِّله منذ أشهر عن المحور السعودي - الإماراتي، كلها مؤشرات تشي بأن قرار الانسحاب ربما بات قريباً.

يوم أمس، أعلنت وزارة الدفاع أن السودان يعكف على تقويم مشاركة قواته في اليمن، لتحديد «سلبيات هذه المشاركة وإيجابياتها»، ومن ثمّ اتخاذ قرار بهذا الشأن. وأكد وزير الدولة لشؤون الدفاع، علي محمد سالم، أن القرار المنتظر سـ«يقدّم مصلحة البلد وأمنه واستقراره وعزّه وكرامته...». ما يمنح تصريح سالم دلالته - فضلاً عن أنه الأول من نوعه - ويرجّح قراءته على أنه تلميح إلى إمكانية الانسحاب، أنه أتى بعد ارتفاع الدعوات البرلمانية إلى الخروج من «حرب لا ناقة للسودانيين فيها ولا جمل»، بحسب ما جاء في البيان الصادر الأحد الماضي عن كتلة «التغيير».
الكتلة، التي تضمّ مجموعة من النواب المستقلين، طالبت «الرئيس عمر البشير بسحب القوات من اليمن فوراً»، داعية إلى «اتخاذ مواقف داعمة للسلم في اليمن، واحترام إرادة اليمن وسيادته»، مُنبِّهةً إلى أن «المشاركة (في الحرب الدائرة في هذا البلد) مخالِفة للدستور لعدم موافقة البرلمان عليها». مواقف تمثّل تواصلاً لمسار تصاعدي بدأ منذ أوائل شهر نيسان/ أبريل، مع إعلان ممثلي حركة «الإصلاح الآن» في البرلمان (التي كان رئيسها، غازي صلاح الدين، انتقد، في تشرين الثاني/ نوفمبر الفائت، انخراط الخرطوم في حرب اليمن، عادّاً إياها «بلا أهداف سياسية محددة») رفضهم استمرار مشاركة السودانيين في هذه الحرب. مذاك، تتتالى مواقف السياسيين والصحافيين والنشطاء لتصبّ في الاتجاه نفسه الذي كانت قد أعلنته مبكراً القوى المعارِضة (اعتبر «الشيوعي» المشاركة في حرب اليمن «غير شرعية»، فيما عدّها «الأمة» تفريطاً بـ«ما بقي من كرامة للبلاد»، ورأى فيها «المؤتمر الشعبي» بدوره «خطأً تاريخياً فادحاً»).
وما أسهم في تزخيم الدعوات الأخيرة هو الهجمات الدموية التي تعرّضت لها القوات السودانية على غير جبهة يمنية خلال شهر نيسان، والتي أعقبت جريمة اغتصاب ارتكبها جندي سوداني في ضواحي مدينة الخوخة غربي اليمن، أجّجت مشاعر الغضب على وجود جنود البشير، وخلقت حافزاً جديداً لدى اليمنيين لمحاربتهم. أكبر تلك الهجمات سُجّلت خلال الأسبوع الأول من أبريل، حيث لقي عشرات الجنود السودانيين مصرعهم في مواجهات مع «أنصار الله» في صحراء ميدي، بحسب ما ذكرت حينها وكالة «فرانس برس»، ناقِلةً عن ضابط ميداني يمني قوله إن «الحوثيين استدرجوا القوات السودانية إلى أماكن كانوا يتحصنّون فيها بعناية، ما جعلها في مرمى نيرانهم». ووفقاً لمعلومات «الأخبار» فإن القوات السودانية خسرت خلال المواجهات المشار إليها «ما لا يقلّ عن 300 جندي».

تفيد بعض المعلومات بأن السعودية استقدمت قوات تشادية إلى اليم


إثر تلك المعارك، أطلقت قيادة «التحالف» عمليات جديدة على جبهة الساحل الغربي بمشاركة قوات سودانية، لتتضاعف معها خسائر هذه القوات. ومع ذلك، ظلّ الموقف الرسمي على حاله: محاباة للسعودية ورفض للتجاوب مع دعوات الانسحاب. في الـ10 من الشهر الماضي، وفي وقت كان فيه وزير الخارجية السوداني (سابقاً)، إبراهيم غندور، يتلقى تعازي سفراء السعودية والإمارات ومصر بضحايا «مجزرة ميدي»، كان الرجل يؤكد ثبات موقف بلاده من المشاركة في عمليات «التحالف». وعقب هذا اللقاء بيوم واحد، انعقدت في البرلمان السوداني جلسة مغلقة حضرها وزير الدولة لشؤون الدفاع، الذي شدّد على أن «مشاركة القوات المسلحة في حرب اليمن طبيعية».
في اليوم التالي، هاتَف ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الرئيس السوداني، عمر البشير، ليلتقيه لاحقاً على هامش قمة الظهران، وتَتْبع ذلك زيارة لرئيس هيئة الأركان السودانية، كمال الماحي، إلى الجرحى السودانيين في الطائف، حيث كرر القول إن انخراط بلاده في حرب اليمن إنما يأتي «من منطلق عقدي والتزام أخلاقي». حتى بعد اصطفاف الكتل المستقلة إلى جانب المعارِضين، خرج «حزب المؤتمر الوطني» الحاكم ليقول إن «المطالبات البرلمانية بسحب القوات ليست ملزمة للسلطة التنفيذية»، وفق ما جاء في تصريح للقيادي في الحزب، ربيع عبد العاطي، عقب صدور بيان كتلة «التغيير».
هذا الإصرار على الانغماس في الوحول اليمنية بلا طائل، كان يمكن تفسيره بعدة عوامل ظلّ نظام البشير إلى وقت قريب يقدّمها على ما سواها. من الاستثمارات السعودية في السودان، إلى وجود أكثر من 3 ملايين سوداني في السعودية، إلى حاجة الخرطوم لدعم إقليمي في معركة فكّ حظر التحويلات المالية العالمية، إلى محاذرة النظام السوداني في حسم اصطفافه الإقليمي... كلها محدّدات حكمت توجّهات البشير في ما يتصل بحرب اليمن. لكن في المقابل، تضخّم الفاتورة البشرية الناجمة عن مشاركة السودانيين في المعارك، مقروناً بتمنّع الرياض عن إسداء مقابِل جدّي للخرطوم على المستوى الاقتصادي (خصوصاً إبان أزمة الوقود الأخيرة التي اجتاحت البلاد)، فضلاً عن متطلبات التقارب المتعزِّز مع كل من أنقرة والدوحة، الذي لا مناص من أن يخلِّف تأثيرات على اليمن (ما تجدر الإشارة إليه هنا أن الجانب القطري يعمل بجدّ على عرقلة جهود «التحالف» في اليمن عبر جملة تكتيكات، من بينها الإيعاز إلى المقاتلين المحسوبين عليه بإبرام تسويات ميدانية جانبية مع «أنصار الله»)، جميعها عوامل باتت ضاغطة أكثر من أي وقت مضى على حكومة البشير لاتخاذ قرار مضادّ للرغبة السعودية - الإماراتية.
قرار يبدو أن قيادة «التحالف» بدأت تتحسّب له عبر البحث عن بدائل يمكن أن تحلّ محلّ القوات السودانية. في هذا الإطار، تفيد بعض وسائل الإعلام الغربية بأن السعودية توصلت مع تشاد إلى اتفاق غير معلن على إرسال أكثر من 1500 جندي إلى اليمن. لكن، أيّاً تكن خيارات الرياض وأبو ظبي، فإن المفترض بالخرطوم التوقف عن «إهانة الجيش السوداني» بحسب ما يدعو إليه رئيس «رابطة أبناء السودان لمناهضة الحرب على اليمن»، الطيب بشير، في حديث إلى «الأخبار». ويصف بشير، وهو عضو بارز في «حزب الأمة»، المشاركة في حرب اليمن بأنها «عدوان غير مبرر على الشعب اليمني»، مشيراً إلى أن نظام البشير «دفع بالآلاف من أبناء دارفور إلى محرقة اليمن من أجل التخلص منهم».