ساد الانتفاضات التي شهدها العالم العربي ابتداءً من سنة 2011 خطاب قومي شديد، مفعم بالرموز الوطنية التي تمهد لإعادة بناء دولة قومية، على غرار ما شهدته المنطقة بُعيد موجة الاستقلالات. أتى هذا في عالم لم يعد يؤمن بالملاحم التي تصنع التاريخ، ما جعل السنوات التالية (التي لقبها البعض بالـ«خريف العربي»)، بمثابة الصحوة العنيفة أمام حقيقة عالم «ما بعد الحداثة».

تونس، «ثورة جانفي/كانون الثاني»: «إنه 20 آذار، الثاني» (تاريخ استقلال تونس عن الحماية الفرنسية). قالها كثيرون، حتى إن إحدى المجلات المحلية الحديثة الولادة اختارت صورة علبة السجائر «20 آذار» (20 mars) غلافاً لها، وقامت بتغيير التاريخ ليصبح 14 كانون الثاني، أي تاريخ هرب الرئيس السابق زين العابدين بن علي، بعد انتفاضة دامت أربعة أسابيع. أيضاً في عدد من البلدان العربية التي شهدت حراكاً شعبياً في الفترة نفسها، باتت تواريخ سنة 2011 (25 كانون الثاني، 15 أو 20 شباط، إلخ) نقطة انطلاق لما أُريد له أن يكون نفساً جديداً في مسيرة الشعوب العربية وسرداً مبدئياً لغد أفضل، بعيداً عن ميثولوجيا الأنظمة القائمة.
إذا اختلف مصير الانتفاضات بين الأقطار، يبقى من بين ما جمع هذه الحركات لجوء روادها إلى رموز وطنية قوية وشخصيات تاريخية، لم يشوّهها استغلال الأنظمة الديكتاتورية خلال حياكتها للتاريخ الرسمي: فرحات حشاد في تونس وعمر المختار في ليبيا وعبد الكريم الخطابي في الريف المغربي، على سبيل الذكر لا الحصر. رموز أُعيد إحياؤها على وقع الأناشيد الوطنية، وأحياناً بين رفرفة أعلام بُعثت بعد عقود من النسيان.
في اللجوء إلى مجد الغابرين ووصله بفخر الحاضرين، سعيٌ إلى منح هذه الحركات شرعية أكبر من تلك التي فازت بها برحيل الرؤساء المبغوضين. هذا التعاطي يمكن إدراجه تحت عبارة «السرديات الكبرى»، وهي، كما فسّرها المفكّر الفرنسي جان فرانسوا ليوتار، السرديات المؤسسة للعصر الحديث (أي منذ القرن الـ19) في العالم الغربي، والتي تضفي شرعية على المعرفة، ومن بينها السرد التاريخي كصيرورة ذات معنى، وهدف. لكن ليوتار، إذ يُعرِّف بهذه العبارة، فهو يعلن موت هذه السرديات في زمن ما بعد الحداثة (postmodernité)، في نهاية السبعينيات: «الوظيفة السردية تفقد مدلولاتها، كالبطل الكبير والمخاطر الكبرى والرحلات الكبرى والهدف السامي». ولا عجب أنْ تزامنَ اختفاء هذا النفس الملحمي مع انتهاء فترة «الثلاثين المجيدة» (les trente glorieuses) والازدهار الاقتصادي الذي تلا الحرب العالمية الثانية في أوروبا الغربية، وبداية ما سمّي انتهاء الايديولوجيات (أي انتهاء الصراع الثنائي بين الكتلتين الشيوعية والرأسمالية، لا سيما من خلال قرار الأحزاب الاشتراكية تبنّي النيوليبرالية الاقتصادية). أما ثقافياً، فقد شهدت فترة انتهاء السرديات الكبرى ودخول العالم الغربي في فترة ما بعد الحداثة ولادة أحد أهم التيارات الثقافية والموسيقية للقرن العشرين، رغم سرعة زواله، وهو حركة «البانك» (Punk) وشعارها الأسطوري الذي كرّسته إحدى أغاني المجموعة البريطانية «Sex Pistols»: «لا مستقبل» (No future). وهذه الحركة نادت بقطيعة تامة مع الجيل السابق واتسمت بطابع فردي عدمي لم يخل من «الأناركية» (الفوضوية).
أنْ تلي فترات النشوة والزخام الشعبي (أو الأحداث التاريخية الكبرى) حقبات زمنية يطغى عليها طابع انفرادي وشعور بخيبة الأمل والعدمية السياسية، ليس بالأمر الجديد، فالتاريخ المعاصر مفعم بأمثلة كهذه (ولا سيما التاريخ الأدبي، من خلال أبطال شخّصوا الأحلام المجهضة مثل فريديريك مورو، بطل «التربية العاطفية» لفلوبير، أو «أوريليان» بطل لويس اراغون)، وحركة «البانك» تُعدُّ من بين ما استلهمت منهم طابعها الراديكالي الحركة السريالية التي تأسست في فرنسا وانتشرت في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت قطيعة مع الجيل السابق وقيمه. المصير نفسه عاشته شعوب البلدان العربية التي انتفضت في السنوات الأخيرة، والتي انتقلت من نشوة الثورات إلى صحوة الانقسام والثورات المضادة، لكن بفرقين مهمين: أولهما سرعة تواتر هذه الأحداث، وثانيهما الاستثناء الذي مثلته هذه الحركات في عالم لم يعد يؤمن بملاحم الشعوب والثورات. فمن وصف هذه الانتفاضات بالربيع العربي هو أولاً الإعلام الغربي الذي عكس من خلال هذه التسمية حنينه إلى فترة انتفاضاته الشعبية التي بلغت ذروتها في أوروبا في أواخر السيتينيات. لكن بعيد سنين، تجد هذه الشعوب نفسها وقد اقتلعت من السرد الطوباوي القاضي بتقرير المصير، ليُرمى بها في عالم ما بعد الحداثة بإرهابه وسياسات تقشفه وكوارثه البيئية، حتى أصبح أحد أحلام الشباب العربي الأسمى اليوم ليس بناء دولة قومية جديدة، بل العبور إلى أوروبا، وبجميع الطرق.
في هذا العام الذي يحتفل خلاله بخمسينية أحداث سنة 1968 التي كانت تاريخية في شتى أنحاء العالم، من بينها في تونس التي شهدت في شهر آذار من تلك السنة انتفاضة الطلاب اليساريين، عاد الحديث، وبقوة، عن الشيوعية والنصوص الماركسية وإرثها المعاصر، كمحاولة لصدّ السيل العارم لعالم بات يسلك منهجاً اقتصادياً واحداً. وإنْ كان الحلم بغد أفضل انتهى بانتهاء السرديات الكبرى، فقد تبقّى للشعوب، عوض الحنين إلى زمن الملاحم، فرصة التسلح بـ«ميلانكولوليا (كآبة) راديكالية سعيدة»، كما كان يقول المفكّر الفرنسي دانيال بنسعيد، أي براديكالية لا تتجاهل عواقب الواقع، ويرافقها التساؤل الدائم، ويغذيها الحلم... لكن من دون أن تقع في الوهم.