يكثّف المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث (بشكل شخصي أو عبر ممثلين عنه)، تحركاته في غير عاصمة، بهدف الإعداد للجولة التشاورية الجديدة التي كان وَعَد بإطلاقها في غضون شهرين. وعلى الرغم من أن تلك التحركات لا تزال تدور في إطار استطلاع الأجواء السياسية والإمكانات التقنية، إلا أنها تمثّل خرقاً في الأفق المسدود منذ فترة طويلة، وخصوصاً أنها تترافق مع نشاط محموم لدى أكثر من طرف بهدف حجز مكان على طاولة المفاوضات. تسابقٌ يقابله على الأرض استمرار التجاذبات بين أقطاب «التحالف»، وعودتها إلى دائرة الضوء خلال اليومين الماضيين من بوابة محافظة سقطرى، بعدما لوحظ خمودها خلال الفترة القصيرة الماضية.

وأفادت مصادر محلية، أمس، بأن قوة إماراتية معزَّزة بمدرعة عسكرية تمركزت، على نحو مفاجئ، في محيط ميناء سقطرى، من دون إجبار العناصر اليمنيين المكلفين بحمايته على الخروج منه. وجاء ذلك بعد ساعات من وصول عشرات الجنود الإماراتيين المدعومين بمدرعات وناقلات جند ودبابات، على متن ثلاث طائرات، إلى مطار سقطرى في مدينة حديبو، مركز الأرخبيل، حيث انتشروا على الفور في حرم المطار، وأرغموا القوات اليمنية الموجودة فيه على الانسحاب. خطوةٌ ترافقت مع وجود رئيس حكومة عبد ربه منصور هادي، أحمد عبيد بن دغر، وعدد من وزرائه في الجزيرة، في زيارة هي الثانية من نوعها منذ نيسان/ أبريل 2016، ضمن جولة يقوم بها بن دغر على المحافظات الجنوبية، بعد عودته أخيراً إلى مدينة عدن.
هذا التزامن يمكن أن يُقرأ امتعاضاً إماراتياً من اقتراب «الشرعية» من محافظة سقطرى، التي باتت الإمارات تعدّها «إمارة ثامنة» تُضاف إلى إماراتها السبع، وفق توصيف الـ«إندبندنت» البريطانية، إذ على الرغم من أن الحظر المفروض على عودة حكومة بن دغر إلى عدن تم رفعه برضى إماراتي، على ما بدا في أوائل الشهر الماضي، إلا أن أبو ظبي لا تزال تضع خطوطاً حمراء أمام الحكومة، خصوصاً في المحافظات التي تُعدّ خاضعة لها على نحو شبه كامل، كما هي حال أرخبيل سقطرى. وما ضاعف مفعول الاستفزاز الذي خلّفته زيارة بن دغر للأرخبيل، أنها جاءت عقب سلسلة قرارات اتخذها هادي متصلة بالمحافظة، اعتُبرت موجّهة ضد النفوذ الإماراتي.
وبفعل تلك التجاذبات، يسود توتّر شديد جزيرة سقطرى التي تشهد أصلاً سخطاً شعبياً متزايداً على خلفية أزمة انقطاع الاتصالات، التي لم يؤدّ التوسع الإماراتي في الجزيرة إلى إيجاد حلول لها، في وقت تعجز فيه حكومة هادي عن معالجة الأزمات التي تضرب «عاصمتها المؤقتة»، مدينة عدن، فضلاً عن المحافظات النائية كسقطرى. عجز وتلكؤ تقابلهما مساعٍ ناشطة على المساريَن السياسي والعسكري، لم تسفر إلى الآن سوى عن مزيد من التصدع في صفوف «التحالف». وكنموذج عن ذلك، يأتي الإعلان (أول من أمس) عمّا سُمّي «الائتلاف الوطني الجنوبي» الذي يضمّ الوزراء المستقيلين من حكومة هادي، وشخصيات وتشكيلات موالية لـ«الشرعية»، في محاولة لتشكيل كيان موازٍ لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي»، الموالي لأبو ظبي، والذي تريد الأخيرة حجز سهم له في الإطار التفاوضي، ضمن الجبهة التي تجهد منذ أشهر لتكوينها.
محاولة يبدو أن أصحابها يحاولون الاستفادة من الانفتاح الذي يظهره المبعوث الأممي الجديد، واستعداده لمحاورة الأطراف كافة، خصوصاً على الساحة الجنوبية، من دون الإقرار بالأقطاب البارزين ممثلين وحيدين لأبناء جنوب اليمن. هذا ما أوحت به أمس المشاورات التي انطلقت في العاصمة الأردنية عمّان بين الفريق الفني في مكتب مارتن غريفيث، وقيادات في الحراك الجنوبي غير محسوبة على الإمارات، من بينها ياسين مكاوي وفؤاد راشد وعبد الرؤوف السقاف. وتأتي تلك المشاورات في وقت اختُتمت فيه في تونس أعمال جلسات تشاورية نظمتها «المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات» التابعة للأمم المتحدة، بحضور شخصيات من الأطراف اليمنيين كافة ــ ومن بينهم «أنصار الله» ــ (بصفاتهم الشخصية وليس التمثيلية)، بهدف مناقشة سبل إحياء جهود السلام، في ما يظهر أنه تواصل لمحاولات غريفيث تهيئة الأجواء لإعادة إطلاق قطار المفاوضات.