حوى موقف المرجعية الدينية العليا، أمس، ثلاث رسائل بارزة. في الأولى، أعربت عن انزعاجها من الواقع العراقيّ المعيش، فيما دعت المواطن في الثانية إلى التحلّي بوعي الاختيار، ومحدّدةً في الثالثة «معايير المرشح الصالح». وفي ما بين سطور تلك الرسائل «تهديد» مبطن بانتهاج مسلك جديد في التعاطي مع الشأن السياسي، قابَلْته القوى السياسية بالمسارعة إلى استثمار الخطاب وفق مصالحها، مُقدِّمةً ولاءها للمرجعية، ومُحيِّدةً نفسها عن أي اتهام.

قبل أسبوع من موعد إجراء الانتخابات النيابية في العراق (12 أيار المقبل)، قالت المرجعية الدينية العليا كلمتها في خطبة الجمعة أمس. من مدينة كربلاء، جنوبي بغداد، تولّى الأمين العام لـ«العتبة الحسينية»، عبد المهدي الكربلائي، مهمّة إعلان الموقف، وشرح مقولة «المُجرَّب لا يُجرَّب». غَلَبَ على الساسة والشارع العراقي ظنٌّ بأن المرجعية «ستسمّي الأشياء بأسمائها»، إلا أن بيان الأخيرة كان عكس التوقعات. جاء عاماً باعثاً على الكثير من التأويلات، ومتضمِّناً هجوماً «ناعماً» على المعنيين بالعملية الانتخابية. ولئن وُصفت الانتخابات المنتظر إجراؤها بـ«انتخابات القلق» بناءً على شكل التحالفات، فإن خطاب المرجعية أمس يُعبّر هو الآخر عن «قلق» المرجعية من العملية الانتخابية، بالنظر إلى فشل التجارب السابقة في تحقيق ما كان يصبو إليه العراقيون من «أمن واستقرار وحياة كريمة»، و«هو ما يلاحظ ــ بصورة أو بأخرى ــ في الانتخابات الحالية أيضاً» بحسب ما جاء في كلمة المرجعية، التي أمِلت أن «يُصحَّح مسار الحكم ومؤسسات الدولة من خلال تضافر جهود أبناء البلد، واستخدامهم سائر الأساليب القانونية المتاحة».

تتطلّع المرجعية وفقاً لمقرّبين منها إلى «إرساء مفهوم الدولة المدنية الساعية لخدمة المواطن»


بيّنت المرجعية أوجه «قلقها»، من خلال تناولها عدة شروط، لا يمكن ــ بحسبها ــ للمسار الانتخابي أن يؤدي إلى «نتائج مرضية» من دونها:
1- «القانون الانتخابي العادل، الذي يرعى حرمة أصوات الناخبين، ولا يسمح بالالتفاف عليها». في هذا الإطار، تعرب المرجعية عن انزعاجها من القانون الحالي؛ إذ إنها تأمل بأكبر قدر ممكن من التمثيل الشعبي تحت قبة البرلمان، والقانون الداعم لـ«الكتل الكبيرة» لا يخدم هذا التوجّه.
2- «أن يكون تنافس القوائم الانتخابية على برامج اقتصادية، وتعليمية، وخدمية قابلة للتنفيذ»، وهو البرنامج الذي تفتقده معظم التحالفات، التي ارتكزت خطاباتها وفق كلمة المرجعية على «الشخصنة، والشحن القومي أو الطائفي، والمزايدات الإعلامية».
3- «التدخل الخارجي في أمر الانتخابات، سواءً بالدعم المالي أو غيره...». في هذا الصدد، تأسف المرجعية لحجم التدخلات الخارجية، غربيةً كانت أو شرقية، ليس فقط على الصعيد المالي، بل في ما يتصل بشكل التحالفات وتركيبتها وما سينتج منها.
4- «وعي الناخبين لقيمة أصواتهم، ودورها المهم في رسم مستقبل البلد»، بناءً على التجارب السابقة، وبالتالي ضرورة «عدم منح أصواتهم لأناسٍ غير مؤهلين إزاء ثمن بخس، ولا اتّباعاً للأهواء والعواطف، أو رعاية للمصالح الشخصية، أو النزعات القبلية أو نحوها».

«الانتخاب الواعي»
اللافت أمس كان «النقطة الثانية» من خطبة المرجعية، والمتمثلة في تأكيد أن «المشاركة في هذه الانتخابات حقٌّ لكل مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية، وليس هناك ما يُلزمه بممارسة هذا الحق إلا ما يقتنع هو به». تاريخياً، حثّت المرجعية على ضرورة المشاركة في أي استحقاقٍ انتخابي، أما اليوم فإن «التخيير» في المشاركة يشي بأن نهجاً جديداً تتبعه المرجعية في تعاطيها مع الشأن السياسي، الأمر الذي يقود إلى السؤال الآتي: هل ستكتفي المرجعية مستقبلاً بمراقبة المشهد السياسي، وتحصر دورها في الشأن الحوزوي؟
في إجابتها عن هذا السؤال، تلفت مصادر مطلعة على أجواء النجف إلى أن معظم القوى السياسية «مصّرة على عدم الاكتراث، ما دفع بالمرجعية إلى صدّ بابها أمام الساسة والمسؤولين لأدائهم السيّئ، وإصرارهم على ذلك، من دون أن يصحّحوا أي سلوك بإمكانه إعادة المياه إلى مجاريها». لكن، وعلى الرغم من ذلك، فإن المرجعية نبّهت إلى أن «التخلّي عن ممارسة الحق الانتخابي يمنح فرصة إضافيةً لآخرين قد يكونون بعيدين جداً عن تطلعات (العراقيين) للفوز بالمقاعد البرلمانية». ومن هنا، تركت الخيار للمواطن في «المشاركة أو عدمها، باعتباره وحده مسؤولاً عن كل تقدير»، وهي بذلك أعادت الكرة إلى ملعب المواطن، المسؤول الأول والأخير عن بقاء الوجوه نفسها في الحكم. وتبرز أهمية هذه الخطوة في كون المرجعية، وفقاً لمقرّبين منها، تتطلع إلى «إرساء مفهوم الدولة المدنية الساعية لخدمة المواطن، بمعزل عن الانتماءات الدينية»، بما يسمح تالياً بتشكّل «وعي جمعي مرتكز على إرادة التغيير الشعبية لا على إرادة الدعوة الدينية، يتيح أمام الشعب فرصة تغيير الطبقة الحاكمة، من خلال صناديق الاقتراع والاختيار الصحيح».

«المُجرَّب لا يجرّب»
في النقطة الثالثة، أكّدت المرجعية «وقوفها على مسافة واحدة من جميع المرشحين، ومن كافة اللوائح الانتخابية، بمعنى أنها لا تساند أي شخص أو جهة أو لائحة على الإطلاق»، تاركةً الأمر كله لـ«اقتناع الناخبين وما تستقر عليه آراؤهم بعد الفحص والتمحيص». موقفٌ كان متوقعاً، إلا أن دلالاته لم تقتصر على طرف دون آخر. فقد رفضت المرجعية «استغلال عنوانها، أو أيّ عنوان آخر يحظى بمكانة خاصة في نفوس العراقيين للحصول على مكاسب انتخابية»، مشددة على أنها «لن تسمح لأي شخص أو جهة باستغلال ذلك»، وهو ما أحاله البعض على الساسة الذين «يزجّون» باسم المرجعية تحت عناوين شتى من قبيل: «الشهداء وتلبية فتوى الجهاد الدفاعي»، «مكافحة الفساد»، «النصر وإعادة الإعمار».
كذلك، وعلى الرغم من أن المرجعية لم تورد في خطبتها الثانية (السياسية) «مقوّمات القيادة والإصلاح»، إلا أنها حصرتها في الخطبة الأولى (الدينية) بـ«الأنبياء والأئمة والمراجع»، وهو ما فُسِّر انزعاجاً من بعض الخطابات والشعارات المرفوعة. وفي الختام، دعت المرجعية المواطن إلى «الاطلاع على المسيرة العملية للمرشحين ورؤساء قوائمهم»، لا سيّما مَن كان منهم في مواقع المسؤولية في الدورات السابقة، في إشارة إلى الطبقة الحاكمة منذ 2005 حتى اليوم، لـ«تفادي الوقوع في شِباك المخادعين من الفاشلين والفاسدين، من المجرَّبين أو غيرهم»، في موقف أَوَّله البعض على أنه رفضٌ ضمني لعودة «حزب الدعوة الإسلامية» إلى الحكم بجناحيه.