تونس | يبدو أنّ أوّل انتخابات بلديّة تونسيّة حرّة ضاعت في زحمة أولويات غالبية الشعب: امتحانات آخر السنة، والاستعدادات لشهر رمضان، و«كسكسي الأحد»، و«الكلاسيكو» الإسباني. «عرس ديموقراطي» أشبه بعرس الفقراء: قليل من الضجة والمعازيم. فقط 33.7 في المئة من الناخبين المسجلين ذهبوا إلى مراكز الاقتراع. لم تُعلن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات النتائج الرسمية، لكن حصل ما في الصدور وتوضحت هوية الفائزين. انتخابات بلا رهانات كبيرة على رغم أنه يفترض بها أن تُمثِّل منعرجاً في تاريخ البلاد بعد المصادقة على مجلة الجماعات المحلية وتبني التوجه نحو اللامركزية، لكنها لم تخلُ من المفاجآت مثل النتائج التي حققها حزب «صغير» مثل «التيار الديموقراطي» والاختراق الكبير الذي حققته اللوائح (القائمات) المستقلة.


«النهضة»: انتصار «بر الأمان»؟
النتائج الأولية أظهرت عودة الإسلاميين إلى صدارة المشهد السياسي (المرتبة الأولى بـ27.5 في المئة) بعد «نصف الهزيمة» التي حصدتها «حركة النهضة» في تشريعيات 2014. انتصار «خفيف» مطمئن لأنصار الحركة وغير مخيف للآخرين، وهذا بالضبط ما أراده قياديو «النهضة». فمنذ انقلاب السيسي على مرسي في مصر، وحفتر على «الإخوان» في ليبيا، وتوضُح عداء الدول الخليجية المؤثرة لـ«حركة الإخوان المسلمين»، أصبح الإسلاميون في تونس يعيشون هاجس سيناريو «استئصالي» قد يعيدهم ربع قرن إلى الوراء وينسف كل ما حققوه بعد الثورة. ترشحت «النهضة» في كل الدوائر الانتخابية، ولكنها لم تنزل للميدان بكل ثقلها وطعمت لوائحها الانتخابية بعدة وجوه «مستقلة» (منهم الكثير من «السافرات» ومرشح يهودي الديانة)، وأضعفت الجرعة الدينية في خطابها.
استطاعت «حركة النهضة» أن تتجنب سيناريو 2011 (فوز كبير أخاف الجميع ووحّد أعداءها)، وسيناريو 2014 (مرتبة ثانية أجبرتها على التحالف مع خصم تاريخي، هو جلّادها، لتضمن وجودها في الحكومة ومفاصل الدولة). فازت بعدة بلديات كبرى في مدن مؤثرة انتخابياً، كالعاصمة وصفاقس ونابل، كما أنّها استطاعت منافسة «نداء تونس» وبقية «الدساترة» بنديّة في معاقلهم التاريخية مثل ولايات منطقة الساحل.
تبدو النهضة إذاً الرابح الأكبر في هذه الانتخابات، ويبدو أيضاً أنّ جزءاً كبيراً من مخاوفها القديمة بدأ يتبدد، لكنّ هذا لا ينفي أنّ هناك مخاوف جديدة بدأت تترسخ. مثلاً الفرق بين عدد الذين صوّتوا لـ«النهضة» عام 2011 والذين اختاروها عام 2018 يناهز المليون صوت، أي أنّ الحركة خسرت جزءاً كبيراً من خزّانها الانتخابي، وذلك لعوامل عدة: فشلها في الحكم عندما تولته، تحالفها مع «نداء تونس»، اعتمادها التكتيكي لخطاب سياسي جديد «حداثوي» لا يلقى هوى عند قاعدتها الشعبية. كما أنّ بروز «التيار الديموقراطي» واللوائح المستقلة في 2018 قد يُمثِّلُ تهديداً جدياً للحركة في 2019 (تاريخ الانتخابات العامة) وقد يسلبها عشرات آلاف الأصوات الأخرى، خصوصاً إذا لم تفك ارتباطها مع «نداء تونس» (وهذا شبه مستحيل عملياً).

«النداء»: سلّة من الهزائم...
الحزب الذي يحوز الرئاسات الثلاث لم يستطع أن يحقق الرباعية بتصدر الانتخابات البلدية، فجاء ثانياً بنسبة تُقدّر بـ22 في المئة، محققاً «انتصاراً بطعم الهزيمة». جنّد الحزب كل كوادره، على رأسهم رئيس الحكومة ووزراء ونواب، لإنجاح الحملة الانتخابية وتحقيق فوز كاسح يكرّسه أكبر قوة سياسية في البلاد، لكن لم تتطابق حسابات الحقل والبيدر. هذه ليست الهزيمة الوحيدة لـ«النداء»، فلقد خسر أيضاً مئات آلاف الأصوات مقارنة بنتائج 2014. أما الهزيمة الأكبر فهي فقدانه لرأسماله السياسي، ألا وهو «الخوف».
بنى «نداء تونس» انتصاراته السابقة على خوف شرائح واسعة من التونسيين من الإرهاب وتغوّل الإسلاميين في المشهد السياسي وسعيهم لتغيير «النمط المجتمعي». وكان من الطبيعي أن يخسر أصوات من اعتبروا أنّ الحزب قد خانهم عندما تحالف مع الإسلاميين بعد انتخابات 2014. «نداء تونس» خسر أيضاً (نسبياً) احتكاره تمثيل «العائلة الدستورية»، إذ نجحت أحزاب أخرى، مثل «الدستوري الحر» في منافسته جدياً، وحتى في افتكاك مواقع منه. كل هذا من دون الحديث عن الخسائر في الأصوات التي تسبب فيها فشله في إدارة البلاد والانشقاقات الكبيرة التي عرفها في السنوات الأخيرة.
هل تكفي مدة السنة ونصف السنة الباقية قبل الانتخابات المقبلة لكي يستعيد «نداء تونس» الصدارة؟ كل شيء جائز، خصوصاً إذا ما استطاع إعادة خلق مناخ الخوف الذي سبق انتخابات 2014...

«التيار الديموقراطي»: انتصار مفخخ؟
هذا الحزب الذي أسسه الوزير السابق محمد عبو، بعد انشقاقه عن «المؤتمر من أجل الجمهورية» (حزب الرئيس السابق المنصف المرزوقي) عام 2013، حقق نصف مفاجأة بحصوله على المرتبة الثالثة (نتائج أولية غير مؤكدة). كان من الجلي أن أسهم الحزب في تصاعد مستمر منذ سنتين، لكن لم يكن من المتوقع أن يحقق اختراقاً كبيراً في الانتخابات البلدية. لم يترشح الحزب إلا في 69 دائرة من أصل 350 (لديه حظوظ معقولة في دخولها). خيار ذكي وناجح مكنه من الحلول في إحدى المراتب الثلاث الأوائل في أغلب البلديات التي ترشح لها. ولعلّ أكبر انتصاراته هو عدد المقاعد الكبير الذي تحصل عليه في بلديات عدة في صفاقس (الولاية الثانية في البلاد).

الهزيمة الأكبر لـ«النداء»، هي في فقدانه رأسماله السياسي: الخوف


طبعاً نتائج إيجابية جداً بالنسبة لحزب تأسس منذ أقل من خمس سنوات وليست لديه إمكانات ولا ثقل ولا تاريخ الإسلاميين والدساترة، ولا حتى اليسار. لكن هذا الانتصار غير مريح كثيراً على أرض الواقع: إذا ما أراد الحزب الظفر برئاسة بعض البلديات وأن يكون مؤثراً، فسيكون عليه التحالف والتوافق مع «النهضة» و«النداء»، أو المستقلين. هذا التحالف سينسف الرأسمال الرمزي لحزب يُندّد بالتوافق الحاكم في البلاد ويسوّق نفسه كبديل عن «المنظومة الفاسدة» ويريد أن يكون الصوت الأعلى في المعارضة البرلمانية. كما أنّ مدة سنة ونصف السنة من العمل البلدي (قبل الانتخابات المقبلة) لن تكون كافية بالمرة لتحقيق تغييرات كبيرة وإنجازات تُرضي الناخبين وتقي من غضبهم. كيفية تعامل حزب «التيار الديموقراطي» مع الوضع الجديد هذا قد تحدد مستقبله السياسي.

المستقلون: ملوك أو صنّاع الملوك؟
تشير الأرقام الأولية إلى أنّ المستقلين قد يشكلون «القوة السياسية» الأولى، فهناك من يُقدّر نسبة المقاعد التي سيحصدونها بأكثر من ربع العدد الجملي. البعض اعتبر هذا النجاح صفعة تاريخية للأحزاب التقليدية، وآخرون اعتبروه أمراً عادياً في انتخابات محلية تتداخل فيها السياسة والعلاقات الشخصية والروابط الأسرية والقبلية. النجاح العددي هذا قد لا يكون له مفعول حقيقي في تشكيل المجالس البلدية، فباستثناء عدد قليل من البلديات، لم تتمكن اللوائح المستقلة من الحصول على الغالبية التي تمكنها من اختيار رئيس البلدية، أي أنّها ستكون مجبرة على التحالف مع الأحزاب، الكبيرة منها والصغيرة، وهنا سنتبين مدى «استقلالية» هؤلاء المترشحين. هناك عامل آخر لا يجب إهماله: أغلب البلديات الكبرى والغنية فازت بها الأحزاب الكبرى، سيكون من الصعب إدارة بلدية فقيرة، خصوصاً مع تنفيذ سياسة اللامركزية (يعني لن تكون هناك موازنة ترصد من المركز). هل سيصمد المستقلون، خصوصاً أنّ العمل البلدي تطوعي من دون مقابل وأنه في علاقة يومية ومباشرة بالمواطن ومشكلاته التي لا حصر لها؟ صمودهم ونجاحهم قد يُلهم آخرين في انتخابات مقبلة، أما فشلهم فستستفيد منه الأحزاب التقليدية.

المقاطعون: ليس كلّ ما يلمع ذهباً
ثلثا الناخبين المسجلين لم يذهبوا للتصويت، وهذا ما عدّه الداعون لمقاطعة الانتخابات نجاحاً لدعوتهم وانتصاراً لهم. يعتبر المقاطعون أنّ المشاركة في الانتخابات هي إضفاء شرعية على نظام فاشل ولا شعبي، يُفترض أن يتم إسقاطه لا ملاعبته بشروطه. المشكلة أنّ المبتهجين بعدم مشاركة أغلب التونسيين في الانتخابات لا يُفرّقون جيداً ما بين المقاطعة المبنية على تحليل للوضع وموقف منه وبين حالة عدم الاهتمام الشعبي الممزوجة باليأس من جميع السياسيين. يعني ليس كل من لم يشارك في الانتخابات هو بالضرورة ضد النظام أو مشروع ثائر ضده (هناك من لا ينتخب لأن الديموقراطية «حرام والعياذ بالله»). عدم المشاركة ليست بالضرورة رسالة موجهة فقط للأحزاب الحاكمة، بل قد تكون ورقة إنذار في وجوه كل الفاعلين السياسيين حتى «الراديكاليين» منهم. الحديث عن نجاح حملة مقاطعة لم تنزل إلى الشارع ولم تقم بأنشطة تعريفية بموقفها يبدو كلاماً عاطفياً مبالغاً فيه جداً. قد تكون الغالبية ساخطة على الحكومة حالياً وقد لا تعي جيداً أهمية ورهانات الانتخابات البلدية هذه، لكن كل هذا لا يعني أنّ نسب المشاركة لن ترتفع في شكل ملحوظ عندما يتعلق الأمر بانتخابات نيابية ورئاسية. السؤال هنا هو: هل باستطاعة المقاطعين «المبدئيين» استغلال هذا السخط وتحويله إلى قوة سياسية؟
لم يجف الحبر الانتخابي عن الأصابع بعد، ولا يمكن التكهن بمدى تأثير نتائج «البلديات» على الانتخابات التشريعية والرئاسية المزمع تنظيمها أواخر عام 2019. الأكيد أنّه لن تكون هناك زلازل سياسية كبيرة في الأفق إلا في حالة تغير خريطة التوافقات والصراعات الإقليمية. أكثر الأشياء إيجابية في انتخابات 2018 هي في تراجع «الوعي القطيعي» والمواقف الغريزية (الخوف والبقاء) لمصلحة اختيارات أكثر عقلانية وتنوعاً.