الرباط | أبعد ما يمكن تصوره هو أن ما يوتر العلاقات بين أكبر بلدين جارين في شمال أفريقيا هي إيران القابعة في الشرق الآسيوي، لكن هذا فعلاً ما حدث بين المغرب والجزائر، حينما قررت الأخيرة خفض تمثيلها الدبلوماسي لدى الرباط، وإبلاغ احتجاجها للسفير المغربي في شأن تصريحات وزير خارجية المملكة، ناصر بوريطة، التي أوردت في بيان سابق وقوف الجزائر وراء تسهيل مهمة قياديين في حزب الله لتدريب عناصر في «جبهة البوليساريو» المتنازعة مع المغرب حول إقليم الصحراء.

رد الرباط لم يتأخر كثيراً، إذ نقلت «وكالة الأنباء الرسمية المغربية» (لاماب) عن متحدث باسم الخارجية أن «المغرب يتفهم حرج الجزائر وحاجتها إلى التعبير عن تضامنها مع حلفائها، إيران وحزب الله والبوليساريو، ومحاولتها إنكار دروها الخفي في هذه العملية ضد الأمن المغربي». هكذا، يرى مراقبون أن «فزاعة» أخرى أضيفت في طريق التقارب بين البلدين، وهي إيران وحلفاؤها، ضمن عقدة نزاع الصحراء التقليدية بين البلدين.
والمثير في الحرب الكلامية الجديدة أنها استعرت على لسان دبلوماسيين من دون وصف رسمي، بل نقلت في تصريحات أو عن مسؤولين آثروا إخفاء أسمائهم لكن عبر الوكالات الرسمية والدولية. ومن ذلك تصريح «مسؤول دبلوماسي كبير في الخارجية الجزائرية» لوكالة «الأناضول» التركية، عن «ترقب» القيادة الجزائرية خفض تمثيلها لدى الرباط، وإغلاق عدد من القنصليات المغربية، كما ذهب إلى حد الوعيد بـ«حملة عربية» لتكذيب تصريحات الوزير المغربي المملكة.
أما المغرب، فكان رده عبر «متحدث باسم الخارجية المغربية» من دون ذكر اسمه، وهي صفة تظهر للمرة الأولى وغير موجودة في برتوكول التواصل الدبلوماسي المغربي، بما أن المتحدث الوحيد باسم الخارجية هو الوزير بوريطة. وسعى المتحدث إلى اتهام الجزائر بـ«المشاركة في عملية تهديد الأمن الوطني للمملكة».

«توريط» الجزائر أمام واشنطن
يقول محمد الشرقاي، وهو أستاذ تسوية النزاعات الدولية في «جامعة جورج ميسن» في واشنطن، إن التوتر الجديد «يخندق البلدين في تحالفات الصراع في الشرق الأوسط، الأول أميركي ـــ خليجي، والثاني إيراني ـــ روسي، وهو ما سيزيد متاعب البلدين مستقبلاً، وسيثقل كاهلهما دبلوماسياً في خوض تحالفات إقليمية هما في غنى عنها». كما يرى الشرقاي أن الجزائر «قاومت بشكل محتشم خطة المغرب في تصنيفها أمام الولايات المتحدة الأميركية في قائمة الدول الأقرب إلى إيران وحزب الله... لكن لواشنطن من الدراية الاستخباراتية والتكنولوجية ما يكفي للتحقق من صحة اتهامات المغرب للجزائر بتسهيل تحركات إيران وحزب الله في المنطقة».
حتى إدريس هاني، وهو من أكبر المدافعين المغاربة عن التقارب المغربي ــ الإيراني، فإنه يقول إن «إيران لم ولن تكون عقدة بين المغرب والجزائر، لأن أصل العقدة بين البلدين هو نزاع الصحراء، أما إيران وحزب الله فهما للفت انتباه الأنظمة الخليجية وراعيتها الولايات المتحدة».

تكتيك جديد لملف الصحراء
من جهة أخرى، يرى محمد سلامي، وهو أستاذ للعلوم السياسية والقانون الدولي في المغرب، أن السجال القائم حول «دعم إيران للبوليساريو عبر حزب الله على التراب الجزائري» هو مجرد «تكتيك دبلوماسي» للرباط لا يخرج عن قضية نزاع الصحراء. وعاد سلامي إلى قرار مجلس الأمن الدولي، الذي مرر القرار الأميركي بفرض «التفاوض المباشر بين المغرب والبوليساريو من دون شروط»، وهو الذي أحرج الرباط كونها «مضطرة» إلى التفاوض مع الجبهة بعد رفض طويل.
وتعود شرارة هذا السجال بين الرباط والجزائر إلى قرار المغرب قطع العلاقات مع إيران بسبب «دعمها حزب الله فيما قالت إنه تدريب وتسليح لقوات البوليساريو» المتنازعة معها على إقليم الصحراء، وهو النزاع الذي بدأ عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده في المنطقة، ليتحول الخلاف بين المغرب و«البوليساريو» إلى نزاع مسلح استمر حتى 1991 بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار. وتصر الرباط على أحقيتها في الصحراء، وتقترح كحل حكماً ذاتياً موسعاً تحت سيادتها، فيما تطالب «البوليساريو» بتنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو طرح تدعمه الجزائر التي تؤوي عشرات الآلاف من اللاجئين من الإقليم منذ أكثر من 40 عاماً.
جدير بالذكر أنّه أمام هذه الأزمة، قررت الجزائر، أول من أمس، المشاركة في اجتماعات البرلمان العربي بالعاصمة المغربية الرباط، الذي تستمر أعماله حتى اليوم.