بعد تفجير مبنى «مفوضيّة الانتخابات» في طرابلس يوم الأربعاء الماضي، عادت التفجيرات إلى منطقة الهلال النفطيّ الواقعة وسط البلاد، حيث استُهدف صباح أمس، حاجز تابع لـ«الجيش الوطني الليبي» (قوات خليفة حفتر) في مدينة سرت الساحليّة بسيارة مفخخة يقودها انتحاريّ، فيما اتجهت أصابع الاتهام إلى تنظيم «داعش» الذي كان قد تبنى تفجير العاصمة.

وليست هذه المرّة الأولى التي تُستهدف فيها «بوابة التسعين»، حيث تعرضت إلى هجوم مماثل قبل نحو ثلاثة أشهر، كما عرفت مناطق أخرى من سرت ومدينة أجدابيا الواقعة شرقها هجمات شبيهة هذا العام. وقد انتقلت السيطرة على مناطق واسعة من الهلال النفطيّ وجميع موانئه إلى يد قوات موالية لحفتر منذ نهاية عام 2016، وذلك بعدما كانت بيد قوات «البنيان المرصوص» التي استعادتها من «داعش» خلال العام نفسه بمساندة مكثّفة من الطيران الأميركيّ.
وتكمن المفارقة بخصوص الهجوم الأخير في إعلان المكتب الإعلاميّ لعمليّة «عاصفة وطن»، أول من أمس، عن «تطهير مدينة سرت من فلول داعش»، مضيفة أنّ قواتها الآن «تتجه إلى طرابلس لتطهيرها من بؤر داعش التي أثبت استهداف المفوضيّة وجودها بالعاصمة، وهذا بقرار رسميّ من رئيس حكومة الوفاق»، علماً أنّها عملت في محيط سرت وليس داخلها. وللتذكير، فإنّ العمليّة المذكورة تمّ إطلاقها بداية الشهر الماضي وهي تشمل تشكيلات عسكريّة من مدن غرب ليبيا، أي أنّها مناوئة لقوات حفتر وسلطة شرق البلاد، وقد أصدرت منذ ذلك الحين بيانين ومن ثمّ غابت أخبار عملياتها التي من المفترض أن تشمل مناطق واسعة من الغرب.
ويعكس هذا التضارب في الأنباء، وضعف الأثر الميدانيّ للعمليات المضادة لـ«داعش»، الانقسام السياسيّ الحاصل في البلاد الذي غلب عليه الجمود منذ توقيع «الاتفاق السياسيّ» في مدينة الصخيرات المغربيّة نهاية عام 2015. وفي حديث إلى «الأخبار» حول تقييم أداء عمليّة «عاصفة وطن»، يقول جلال حرشاوي، الباحث في الشؤون الليبيّة، إنّ العمليّة «لا يأخذها كثير من الناس على محمل الجدّ»، مضيفاً أنّ «حكومة الوفاق الوطنيّ بذلت كثيراً من الجهود ضدّ داعش، لكنّ هذه العمليّة حديثة جداً وغامضة للغاية». وخلال حديثه مع «الأخبار»، لم يكن رأي الباحث الليبيّ بشير الزواوي بعيداً من ذلك، إذ اعتبر أنّ «الثقة منعدمة بين فائز السراج والمجموعات المسلحة، وهو لا يريد أن يُظهر بأنّه يتعامل مع ميليشيات لكنّه يفعل ذلك في الوقت نفسه، وهو عاجز تماماً عن فرض أيّ شيء خارج نطاق وسط طرابلس».
بموازاة التفجير الانتحاريّ الذي يدلّ على عدم استقرار المناطق الواقعة تحت سلطة حفتر، يحاول الأخير إظهار العكس، حيث أطلق أوّل من أمس إشارة بدء عمليّات «تحرير درنة». وتشير الأخبار الآتية من المدينة التي يسيطر عليها «مجلس شورى مجاهدي درنة» الذي يحمل توجهات سلفيّة ذات طابع محليّ، إلى تقدّم نسبيّ لقوات حفتر على محاور عدّة بمساعدة من طائرات حربيّة يُحتمل أن تكون أجنبيّة (مصريّة وإماراتيّة)، وطائرات مسيّرة صغيرة تحمل قنابل (أسقطت القوات المتحصّنة بالمدينة إحداها قبل نحو شهر). إطلاق عمليّة درنة، التي تختمر منذ أشهر، ليس المظهر الاستعراضيّ الوحيد، حيث تعيش بنغازي ومدن شرق ليبيا التي تقع تحت سيطرة قوات حفتر، احتفالات بالذكرى الرابعة لإطلاق «عمليّة الكرامة». إلى جانب ذلك، حضر الرجل حفل تخريج دفعة جديدة من قواته، وللإشارة فقد حضر إلى جانبه اللواء محمد الكشكي نيابة عن القائد العام للقوات المسلحة المصريّة، وشهد الحفل أيضاً استعراض عدد من الأسلحة التي يندر ظهورها أو استعمالها في الحرب الليبيّة، منها نظام رادار ودفاع جويّ روسيّ قصير ومتوسّط المدى وصاروخ «سكود بي»، وتعود جميعها على الأغلب إلى فترة القذافي.