اختار القدر أن يأخذ منهم آباءهم في موقف يحمل الفخر والاعتزاز، فنالوا لقب «أبناء الشهداء»، وأصبح ذلك مفتاحاً لحياة جديدة، فيها مدارس مخصصة لهم وحدهم، حيث تم احتضانهم بكل حب وعطاء، علّ هذا الحضن الجديد يعوّض فقدهم. تلك المدارس كانت البيت الثاني الذي يؤمن لأبنائه كل متطلباتهم بأفضل ما يمكن، ضمن أسرة كبرت مع مرور سنوات الحرب، وعلى رغم كل الرعاية والاهتمام يحزّ في قلب هؤلاء الأبناء أنهم ليسوا مع من يحبون.

بقيت أريج (17 سنة) في العام الأول لدخولها مدرسة بنات الشهداء تعيد على مسامع من حولها قصة استشهاد والدها الذي قضى مع رفاقه شهيداً في جسر الشغور قبل خمس سنوات، وتشرح التسجيلات التي انتشرت عن فترة حصار أولئك الجنود والطريقة البشعة التي قُتلوا فيها على أيدي الإرهابيين. كان ذلك العام من أصعب أيام حياتها، وفق تعبيرها، فإلى جانب هول فقد والدها وبُعدها عن والدتها وبقية إخوتها، كانت تعاني صعوبة في التأقلم مع الحياة الجديدة داخل المدرسة. وتقول: «كان النظام والروتين قاتلاً، إلا أنني عرفت مع الوقت أنه السبب في تخفيف ألمي». الأعوام الأربعة التي قضتها أريج في المدرسة كانت كفيلة برفع سويّتها الدراسية، لتصبح اليوم ضمن الأوائل على صفها، وذلك بفضل العناية التي تتلقاها وزميلاتها، سواء في الفترة الصباحية كنظام المدارس أو بعد الظهر من خلال متابعة الواجبات ودروس التقوية. وتشرح بالقول: «جميعنا نتلقى الاهتمام ذاته، لكن تختلف استجابة ورغبة الطالبات بالدراسة، وبالنسبة لي أبذل قصارى جهدي لأحقق حلم والدي الشهيد بأن أصبح طبيبة».
التحق حيدر (8 سنوات) العام الماضي بالمدرسة مع أخته هلا التي تكبره بثلاث سنوات، منتقلين من بيئة جد فقيرة مادياً في إحدى قرى ريف حمص، إلى مكان أمّن لهما كل أساليب الترفيه. يقول حيدر بلهجته الريفية: «جابولنا كلّشي؛ أكل ولبس وألعاب، وشو ما منطلب بيأمنوه، بس ما رضوا نام عند أختي بالغرفة». أما هلا فتعلم أن النظام المدرسي يفرض أن ينام أخوها في غرف الذكور، وأنها لن تراه إلا في أوقات محددة، مشيرة إلى وجود نشاطات ترفيهية منوعة، ومعاملة حسنة من المدرسات والمشرفات، ووفرة في كل المتطلبات في المقابل. ولكنّها تعود لتضيف: «مع ذلك أكل البيت أطيب، وملابسي المغسولة على يد أمي أنظف». أمنيات حيدر تبدأ بطلب زيادة الوقت المخصص للّعب و«المشاوير»، وتنتهي بأن يصبح مستقبلاً ضابطاً في الجيش، أمّا هلا فتحلم بأن تنتهي سنوات الدراسة بسرعة لتعود وتعيش مع والدتها وتصبح صيدلانية.

يشكو معظم الطلاب من روتين المدارس المقيّد لحرية نشاطهم


أما عماد (16 سنة) الذي التحق بالمدرسة قبل ستة أعوام، وكان والده من أوائل الشهداء في درعا، يقول ضاحكاً إنه يعيش في ما يشبه «سجناً سويسرياً»، معتبراً أن كل ما يقدم لهم من إقامة ولباس وطعام ونشاطات وتدريس، ينقصها الحرية، فهو وغيره من الشباب وخاصة في هذا العمر، يصعب عليهم أن يحتجزوا في مكان محدد، ممنوعين من الخروج والدخول إلا بمواعيد دقيقة. ويقول: «نرى الشباب في مثل أعمارنا كيف يعيشون حياتهم؛ أصدقاء وشلّة ومشاوير وسهر، قيادة سيارة أو موتور. يختارون الحياة التي يريدونها والنشاطات التي يرغبون بممارستها، قد يتركون المدرسة ويعملون في عمل يحبونه، أما نحن حتى بموعد طعامنا وأوقات نومنا مقيدون».
توضح المشرفة العامة على هيئة مدارس أبناء وبنات الشهداء، شهيرة فلوح، في حديثها إلى «الأخبار» أن «أبناء الشهداء أمانة في أعناقنا، ولا يمكن أن نقبل بتقديم إلا أفضل ما يمكن، فكانت هذه المدارس نموذجية وتجربة فريدة من نوعها». «ماما شهيرة» كما يناديها طلاب المدارس من كبيرهم إلى صغيرهم، وحتى الخريجين منهم، قضت أكثر من 30 عاماً في الإشراف على هؤلاء الطلاب وتأمين كل متطلباتهم. وهي ترى أن العمل في مدارس أبناء وبنات الشهداء «ليس عملاً وظيفياً وإنما عمل مقدس». وتشير إلى وجود وزارتين متعاونتين في تأمين متطلبات المدارس، هما وزارة التربية بالنسبة لكادر التدريس ووزارة الدفاع بالنسبة للتمويل، موضحة أن جميع الجهات الحكومية تعرض تقديم الدعم، على رغم أن الموازنة المخصصة للمدارس تكفي لكي يعيش الطلاب بسوية توازي معيشة أسرة من أصحاب الدخل المرتفع في سوريا. وتقول إن «كل أبناء وبنات الشهداء في قلب الرئيس بشار الأسد وعقيلته، وللمدارس مكانة خاصة لديهما». من جانب آخر، تشير فلوح إلى أن «ازدياد عدد الشهداء أثّر في استيعاب المدارس للطلاب، وبخاصة أن أغلب الأهالي يعيشون ضائقة مادية بسبب الحرب... فأصبح عدد الطلاب في الفترة الأخيرة كبيراً جداً، ويمكن القول أنه وصل إلى حدّ الاستيعاب الكلي، ومع ذلك استطعنا تغطية الأمور التربوية والحياتية بشكل جيّد، واليوم توجد مقترحات عدة لإحداث مدارس جديدة هي قيد الدراسة».
بدورها، تشير مديرة مدرسة بنات الشهداء، مريانا الجمل، في حديث إلى «الأخبار» أن جميع الكوادر الموجودة تحاول أن تقدم للطلاب كل ما تستطيع «حتى تكون المدرسة بالنسبة لهم بيتاً أيضاً»، إلا أن «نظام المدارس الداخلية (بشكل عام) يشكل حملاً ثقيلاً على الطلاب لوجود روتين ونظام لا يتغير، إذ يشعرون بشيء من التقييد، ولا يدركون قيمة ما قُدم لهم إلا بعد التخرج من المدرسة ومواجهة الحياة». وتضيف: «في المدرسة كوادر تربوية وتدريسية مميزة، إلا أن الصعوبات الحالية تكمن في الأعداد الكبيرة الموجودة، مع وجود مشكلات نفسية لدى أغلب الطلاب بسبب الحرب، ونعمل على معالجة هذا الجانب». وعن تفاصيل الخدمات المقدمة، تقول الجمل: «تعترف الطالبات أن ما يؤمن لهن لن يجدنه في منازلهن، إلا أن فقدان الأب والبعد عن الأم يؤثر في نفسيتهن في شكل كبير، وهذا ما تعمل عليه المشرفات المقيمات مع الطالبات».