الشهر الماضي، ظهر العدد السادس والثلاثون من مجلة «نقد»، تحت عنوان «اقتصاد الريع والثقافة الريعيّة»، وخُصصت مقالاته للنظر في الأسباب الهيكليّة للانسدادات في الجزائر والكوابح العضويّة للانتقال نحو اقتصاد منتج. فبعد ما يقارب نصف قرن من إطلاق استراتيجيّة تنمية تمثّل الأساس الصلب للجزائر المستقلة، لا يزال «ترييع» المجتمع قائماً، ولا تزال التبعيّة صفة مهيمنة على الاقتصاد. وقد فاقمت العولمة وتبعاتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة مكامن الهشاشة الهيكليّة للنموذج الجزائريّ القائم على اقتصاد يرتكز على تصدير البترول.

وكما يشير بداية دحو جربال، مدير «مجلة الدراسات والنقد الاجتماعيّ – نقد»، فإنّ «عولمة الإنتاج وتسويق البضائع» سرّعت فساد الدولة الريعيّة. إذ يرى المؤرخ أنّ «التبادل التجاريّ المعمّم يصير أساساً تبادلاً لا يقابله عمل، بذلك تتضاءل قيمة العمل وتترك مكانها لانحرافات مختلفة، على غرار الفساد والزبائنيّة، ولا يمثّل غياب الحريّة والعنف الاجتماعيّ أقلّ نتائجها». وإذا كان صائباً أنّ الإيرادات النفطيّة تنزع نحو تعزيز تمكين الشريحة العليا في الدولة، المسؤولة عن إدارة التنمية، وتحوّلها تدريجاً إلى طبقة مهيمنة تستخدم الريع كأداة استهلاك، فإنّ التخلي عن الطموحات التنمويّة هو ما يفسّر أساساً المأزق الهيكليّ الذي يعانيه المجتمع الجزائريّ.
أما الاقتصاديّ يوسف بن عبد الله، الأستاذ في المدرسة الوطنيّة العليا للإحصاء والاقتصاد التطبيقيّ، فيقدم تحليلاً نقديّاً للتحوّل من استراتيجيّة تنمية كان التصنيع محورها الرئيسيّ، إلى نمط إدارة «ريعيّة زبائنيّة»، ويرسم خلاصة واضحة ومنذرة بالخطر حول تراجع الدولة عن دور «الراعي الحيويّ» الذي لعبته في السبعينيات وترجمته في جهدها لتحويل الريع إلى رأسمال منتج من خلال تخطيط صرفه. حيث ترك شعار «تبذير البترول لحصد التنمية» مكانه عمليّاً لشعار «تبذير البترول لتسديد فاتورة استيراد تزداد اثقالاً وتضخماً»، وقد تدهورت الوضعيّة حتماً بعد عدة عقود من الليبراليّة التي خلخلت أعماق بنية الاقتصاد الجزائريّ، ومن خلال نزع حيويّة المجال المنتج والحطّ من قيمة الجهد الجماعيّ، وفُسح المجال أمام الاقتصاد التجاريّ والإثراء السريع.

أخذت أشكال طفيليّة مُضرّة بالصالح الوطنيّ المشترك في التطوّر


انطلاقاً من تلك النقطة، بدأت تأثيرات متعددة في البروز، حيث أخذت أشكال طفيليّة مُضرّة بالصالح الوطنيّ المشترك في التطوّر، وصارت الشرائح الوسطى المُضاربة الفاعل المهيمن في التحوّلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة الجارية. ويتناقض هذا الصعود الصاعق مع الانحدار المؤكد للطبقات الوسطى المتعلمة، التي تمزقت بين إكراهات الإفقار، الهجرة، أو إعادة التأهيل داخل النظام. وبتطبيق التبادل الحرّ، تعززت هيمنة من كان لهم توجّه تجاريّ على السوق الجزائريّة، فكما يلاحظ بن عبد الله: «الأثرياء الجزائريّون الجدد، الذين صاروا أوليغارشيّين، راكموا ثروات هائلة من دون المرور بالسوق بالمعنى التقليديّ للكلمة، بل قاموا بذلك باستخدام شبكاتهم وخدمتها».
رغم أنّ الدولة لم تقطع مع منحاها الاجتماعيّ، فإنّ العقد المؤسَّس على النموذج الريعيّ التوزيعيّ لم يكن مع ذلك أقلّ فشلاً. فمن ناحية خلق هذا النموذج اختلالاً مع «الإبقاء على نزعة مساواتيّة معكوسة»، حيث لا تستفيد الشرائح الشعبيّة من الريع إلّا على نحو هامشيّ، وذلك من خلال دعم السلع الغذائيّة والوقود وتجهيزات تستفيد منها أيضاً «دون تمييز» الشرائح الأكثر ثراءً التي تمثّل المستفيد الأكبر من الريع. ومن ناحية ثانية، يرى بن عبد الله أنّ سياسة إعادة توزيع الريع لتعزيز القواعد الاجتماعيّة للسلطة صارت «غير قابلة للاستمرار»، ذلك لأنّ «الدولة صارت مضطرة إلى خفض استثمارها (تخلٍّ عن مشاريع وتوقيف أخرى) ما يؤثر بالنموّ الاقتصاديّ الذي يعتمد عليه بشدّة لأنّ الاستثمار العموميّ يُسهم فيه مباشرة (بما يزيد على) 40 إلى 50 بالمئة». يبدو الواقع الاجتماعيّ اليوم مهيكلاً بالاختلالات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وبتدهور الأوضاع المعيشيّة وهشاشة شرائح واسعة من المجتمع، وصارت التبعيّة تجربة يوميّة يعيشها العامل المحبوس ضمن منطق البقاء.