تشترك الدول البتروليّة (النفطية) العربيّة في بعض الخصائص التي تُظهر أنّ الطريق التي تسلكها لا تلقي بالاً بالوضعيّة التي ستكون فيها عندما لا يكون لها بترول لتصدّره. من الناحية الجغرافيّة، تقع جميع هذه البلدان في منطقة شبه قاحلة وصحراويّة تفتقر إلى المياه، ما يحكم عليها بالحدّ من أنشطتها الصناعيّة والزراعية. من الناحية السياسيّة، تحكمها أنظمة مغلقة تعوق الإبداعات التكنولوجيّة والرياديّة. من الناحية الاقتصاديّة، هي بلدان ريعيّة تستهلك أكثر مما تنتج. من الناحية الثقافيّة، يفضّل رجال أعمالها وضع أموالهم في الخارج بالعملة الصعبة، أكثر من إعادة استثمارها محليّاً. من الناحية الاجتماعيّة، على الرغم من تحقيق أغلبها انتقالاً ديموغرافيّاً، فإنّ أغلب سكانها يقوّضهم الفقر والأميّة وانعدام النفاذ إلى البنى التحتيّة الصحيّة. كذلك إنّ وضعيّة المرأة المتدنيّة تحرمها جزءاً سكانيّاً مهمّاً يمكنه أن يكون نشيطاً.

أولى المشاكل إذاً هي الماء، حيث لا يمكن الدول العربيّة البتروليّة أن تكون بلداناً صناعيّة كبرى. التساقط السنويّ للمطر هو 59 ميليمتراً في السعوديّة، 89 ميليمتراً في الجزائر، 216 ميليمتراً في العراق، وذلك مقابل 645 ميليمتراً في الصين، 715 ميليمتراً في الولايات المتحدة، و867 ميليمتراً في فرنسا. وتظهر مقارنة بسيطة أنّ الجزائر لا تحظى إلا بعشرة بالمئة مما تحظى به فرنسا من مياه الأمطار، أما المقارنة الأكثر إفادة فهي مع الولايات المتحدة، حيث شمالها مُمطر وجنوبها شبه قاحل وصحراويّ (تكساس، كاليفورنيا)، وتتركز الصناعات في الشمال. ويجب على البلدان العربيّة اتباع كاليفورنيا، فهي من دون مياه تحقّق ناتجاً محليّاً إجماليّاً قدره 2.500 مليار دولار، وهو ناتج فرنسا نفسه. لا تحتوي كاليفورنيا على صناعة حديد مثل ما هو الحال في بيتسبورغ، لكنّها تعرف بأنشطتها المعلوماتيّة (وادي السيليكون)، وصناعات تكنولوجيا الطائرات والسينما (هوليوود).

مشكل ما بعد البترول لا يعالج بالنظر إلى معادلات اقتصاديّة


وترتكز هذه الصناعات على مستويات علميّة لا مثيل لها وعلى حريّة الإبداع، وهو ما يحيل على النظام التعليميّ وحريّة الفكر. النظام العلميّ والتقنيّ في الدول العربيّة البتروليّة خائر القوى، وكثير من الدول لا تعلّم فيها الفتيات ولا يتمتّع العلماء والفنانون بأيّ حريّة إبداعيّة، وترضى هذه الدول باستهلاك الأنظمة المعلوماتيّة والطائرات والأفلام الكاليفورنيّة. لكن من المعلوم أنّ هذه الاستيرادات لا تعود حصراً إلى العجز التقنيّ المحليّ، بل تُفضّلها الحكومات لأنّها تدرّ عمولات مهمّة على الوسطاء المرتبطين بالسلطات القائمة. أحد آخر الأمثلة على ذلك (26 نيسان/أفريل 2018) يتمثّل في أنّه لتركيب واقية الصواعق في أكبر مسجد مستقبليّ في مدينة الجزائر، انتُدِبت شركة فرانكلين الفرنسيّة المتخصصة، وهي التي جهزت من قبل أطول برج في العالم الموجود في دبي. هذه البلدان العربيّة، المستقلة منذ عقود، والتي تملك مليارات الدولارات، لم تُدرّب معماريّاً واحداً قادراً على بناء برج أو مسجد، أو مهندساً واحداً يُتقن صناعة واقيات الصواعق! فما بالك بصناعة طائرة. لكن إيكال العمالة إلى شركات أجنبيّة أو استيراد المواد الأوليّة لا يُظهر فقط الريبة تجاه الخبرة المحليّة، بل كذلك الشهيّة المفتوحة لإبرام العقود مع الأجانب. ما الذي يمكن قوله في ظلّ هذه الظروف عن ما بعد البترول؟
مشكل ما بعد البترول لا يمكن معالجته بالنظر إلى المعادلات أو التوقعات الاقتصاديّة، فما دامت الدول العربيّة البتروليّة خاضعة لحوكمة لا تستثمر في بناء نظام تعليميّ وتقنيّ فعّال، فتح التكوين وسوق العمل أمام المرأة، ضمان حريّة الخلق والإبداع، وبناء ثقة في الاستقرار الماليّ لاستبقاء الرساميل وجذبها بتأسيس ديموقراطيّة مستقرّة وإدارة غير فاسدة، لن تعرف أيّ ترسيم ممكن على طريق التنمية، فمشكل المستقبل السياسيّ، هو قبل كلّ شيء، مسألة سياسيّة.