يستمر سعر صرف الدينار التونسيّ في الانزلاق وسط أزمة اقتصاديّة واجتماعيّة خانقة تعيشها البلاد. وفي حين يبدو الأمر ملمَحاً عاماً سُمّي «تعويم» أو «تحرير» العملة وشمل عدداً من البلدان العربيّة المُنخرطة في برامج مع «صندوق النقد الدوليّ»، تنفي الحكومة التونسيّة أنّ ذلك جزء من سياستها. لكن بين هذا وذاك، تشير أحدث الأرقام إلى نتائج سلبيّة لهذا المسار، أهمّها خسارة مداخيل بالعملة الصعبة تقارب 1.75 مليار دولار في العامين الماضيين.

انخفاض سعر صرف الدينار مقابل العملات الصعبة الكبرى ليس أمراً جديداً، ويعود إلى ما قبل سقوط نظام بن علي، لكنّ وتيرة الانخفاض اشتدت منذ توقيع تونس اتفاق قرض مع «صندوق النقد الدوليّ» في منتصف عام 2013، حيث فقد الدينار منذ ذلك الحين أكثر من نصف قيمته مقابل الدولار، فيما فقد العام الماضي فقط أكثر قليلاً من 20 في المئة من قيمته أمام اليورو.
سياسة «الصندوق» في هذا المجال واضحة، حيث يكرّر في مراجعاته للاقتصاد التونسيّ أنّ سعر صرف الدينار لا يعكس قيمته الحقيقيّة، وأنّه يجب تركه لآليات التعديل الذاتيّة في السوق الماليّة من دون تدخّل من البنك المركزيّ. وحسب تقرير أصدره «المرصد التونسيّ للاقتصاد» (منظمة مستقلة)، بدأت سياسة صندوق النقد بالتكرّس بداية عام 2012، حين جرى التخلي عن مبدأ ربط الدينار بـ«سلة من العملات» الذي يسمح بتغيّر نسبيّ في قيمته. وتذهب فلسفة هذا التوجّه إلى أنّ خفض قيمة الدينار ستؤدي إلى تحسين القدرة التنافسيّة للمصدّرين (أي رفع حجم الصادرات)، وزيادة سعر السلع المستوردة (أي خفض حجمها)، ما سيؤدي في النهاية إلى خفض عجز الميزان التجاريّ (أي الفارق بين الصادرات والواردات).

خسرت الدولة في العامين الماضيين حوالى 1.75 مليار دولار


من جهتها، تنفي الحكومة التونسيّة أنّ ذلك جزء من سياستها الرسميّة، حيث أقالت وزيرة المالية منتصف العام الماضي بعد تصريحها بأنّ قيمة الدينار ستنخفض أكثر، ما أدى إلى اضطراب في السوق الماليّة بعد سعي محموم من الفاعلين الاقتصاديّين لشراء العملة الصعبة قبل أن يرتفع سعرها أكثر. بعد تلك الحادثة، تدخّل البنك المركزيّ الذي يتمتّع باستقلاليّة نسبيّة، لضخّ كميات من العملة لتعديل العرض والطلب، وقد يكون استعمال تلك الآلية «الاصطناعيّة» للحفاظ على سعر الصرف أحد أسباب إقالة محافظ البنك وتغييره بشخصيّة أكثر ليبراليّة.
المشكلة في سياسة «صندوق النقد الدوليّ» التي تتبناها الحكومة التونسيّة هي أنّها غير ناجحة كما كان متوقعاً لها إلى حدّ الآن، حيث لم تشهد تغطية عجز الميزان التجاريّ سوى تحسّناً طفيفاً في الربع الأوّل من هذا العام. إضافة إلى ذلك، وإذا ما وضعنا في الاعتبار أنّ تلك السياسة مصمّمة أصلاً لتحدث أثراً على مستوى متوسّط وبعيد، فإنّ تساؤلات تُثار حول الآثار السلبيّة التي ستتركها إلى حين تحقيق نتائجها.
بداية، انتهجت الحكومة سياسة تقشفيّة تم بمقتضاها تجميد الانتداب في الوظيفة العموميّة، ووضع برنامج تسريح اختياريّ للموظفين، ويرتقب الترفيع في سنّ التقاعد تدريجيّاً، وسنّ زيادات في الضرائب، والتوجّه إلى خصخصة عدد من الشركات العموميّة. من ناحية أخرى، يستمر التضخّم في الارتفاع، حيث بلغ الشهر الماضي 7.7 في المئة. ولضرب أمثلة ملموسة على أثره، يمكن الإشارة إلى ارتفاع سعر السيارات بـ16.6 في المئة وسعر الفواكه بـ23.8 في المئة وسعر الخدمات الماليّة بـ7.5 في المئة.
وبحسب آخر تقارير «مرصد التونسيّ للاقتصاد»، خسرت الدولة في العامين الماضيين حوالى 1.75 مليار دولار نتيجة تخفيض سعر الدينار، حيث أثّر ذلك على الشركات المصدّرة التي يعتمد جزء كبير منها على استيراد المواد الأوليّة أو نصف المصنّعة بالعملة الصعبة. ويقدّر التقرير أيضاً أنّ تلك السياسة أفادت «الشركات غير المقيمة»، وهي شركات مُصدّرة كليّاً وتتمتّع بإعفاءات ضريبيّة ولا تُدمج مداخيلها في النظام الماليّ التونسيّ، حيث خُفّفت فاتورة خلاص عمالها مقابل نتيجة انخفاض الدينار، وخسرت الدولة جرّاء ذلك مداخيل ممكنة تُقدّر بحوالى 500 مليون دولار.