عمد الخطاب السياسي الإسرائيلي إلى محاولة احتواء مفاعيل الرد الصاروخي الذي فاجأ بحجمه ورسائله القيادتين السياسية والأمنية في تل أبيب. تشدّد المسؤولون الإسرائيليون في تجاهل الرسائل الكامنة في هذا الرد غير المسبوق منذ عقود عبر الجبهة السورية، بما يمثله من تحدّ للتهديدات التي أطلقتها القيادتان السياسية والأمنية الإسرائيلية، وبلغت الذروة طوال الأسابيع والأيام التي سبقت المواجهة في الجولان المحتل. ولم يتطرق أي مسؤول إسرائيلي إلى جانب من النتائج الفورية للرد الصاروخي التي حضرت لدى صنّاع القرار في تل أبيب، حول فشل المعادلة التي استنفدت إسرائيل جهودها من أجل فرضها في الساحة السورية، بهدف إطلاق يدها في الساحة السورية من دون تلقّي ردود مضادة. ولم ينطق أيّ من المعلقين والخبراء والسياسيين بحقيقة أن إسرائيل فشلت في ردع إيران وسوريا ومحور المقاومة عن أصل الرد الجاد والقاسي، وكثافته وأسلوبه وساحته وأهدافه.

بعد الرد الصاروخي، باتت إسرائيل على إدراك تام بأنها ليست مطلقة اليد في الساحة السورية، وأن عليها إعادة النظر في الفرضيات التي استندت إليها في تقديراتها، وعلى أساسها حاولت التأسيس لمسار عدواني تصاعدي. ومع أنها لم تتخلّ ــ ولا يتوقع ذلك ــ عن مساعيها لمنع الدولة السورية ومحور المقاومة من إعادة بناء القدرات الاستراتيجية، وتطويرها، إلا أن ما جرى كشف لصناع القرار في تل أبيب أن الطريق غير ممهدة لتحقيق هذا الهدف، ودونه مخاطر الانزلاق والتدحرج بما لا تريده ولا يريده أي من الاطراف ابتداءً. ومن أهم ما حضر لدى مؤسسة القرار السياسي والأمني الإسرائيلي أن تماديها في الاعتداءات سيواجه بردود قاسية أبعد ممّا كانت تقدره، وهو ما يكمن في خلفية وصف وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان للطرف الإيراني بـ«العدو العنيد»، في إقرار ضمني بأن من الصعوبة تحقيق النتائج المأمولة من سياسة التهويل وفرض إرادته عليه. وكرّر المفهوم نفسه وزير الأمن السابق موشيه يعلون بالقول إنه «ليس من المؤكد أن هذا (الهجوم الاسرائيلي) سيردع الإيرانيين».
في المقابل، عمدت القيادة السياسية إلى تقديم المواجهة الصاروخية المتبادلة، فجر أمس، كما لو أنها امتداد لاستراتيجيتها العدوانية وترجمة للمعادلة التي تحاول فرضها، وليس في سياق كبح مساراتها العدوانية. وكان لافتاً جداً المدى الذي بلغه ليبرمان في المبالغة والاختلاق عندما اعتبر أن «إيران تلقّت ضربة قوية جداً، دمرنا كل البنية التحتية الإيرانية في سوريا تقريباً»، بعد الصليات الصاروخية التي تعرضت لها مواقع الجيش الإسرائيلي في الجولان المحتل. مع ذلك، توجه ليبرمان إلى الإيرانيين بالقول إن عليهم إدراك أنه «إذا كان عندنا مطر فسيكون عندهم سيول». مع ذلك، أكد وزير الأمن أن «الجميع يريد إبقاء الأمر على ما هو عليه وعدم الانجرار إلى مواجهة شاملة»، وهو ما يُفسّر انكفاء الاسرائيلي عن الذهاب بعيداً في اعتداءاته التي ردّ من خلالها على الرد الصاروخي، كما توعد خلال الأسابيع التي تلت التاسع من نيسان، عندما استهداف نقطة للحرس الثوري الإيراني في مطار «تي فور». وحذّر ليبرمان من حالة الغرور وقلة المبالاة، معرباً عن الأمل في أن تكون هذه الجولة من الاقتتال قد انتهت.
على الوتيرة نفسها، عزف وزير الأمن الداخلي غلعاد أردان، وتجاهل الرسالة المدوية التي تلقتها تل أبيب، معتبراً أن إسرائيل وجّهت رسالة حزم وقوة. وأكد أن إسرائيل لن تسمح للنظام المتطرف في إيران ببناء قوة عسكرية في سوريا تشكّل تهديداً لها. في السياق نفسه، أكد وزير المالية موشيه كحلون أن قرار المجلس الوزاري المصغر «عدم السماح بالتمركز الإيراني في سوريا كان صحيحاً جداً»، مفسّراً ذلك بالقول إنه «إذا تمركزوا هناك فسيغلقون لنا المجال الجوي ويُغطّوا نصف الدولة بالصواريخ». وتوجه إلى الايرانيين بدعوتهم «للعودة إلى البيت (إيران)، ليس لكم ما تبحثون عنه في سوريا».
في المقابل، اعتبر قائد المنطقة الشمالية السابق، اللواء عميرام ليفين، أن استراتيجية إسرائيل ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التي اعتمدوها أوّلاً – محاولة إخراج إيران من كل سوريا – هي خطأ. ورأى أنه كان يجب الاكتفاء باستراتيجية أهداف محدودة. وتساءل: هل ينبغي مهاجمة القوات الإيرانية في حال تمركزوا على الحدود السورية العراقية؟