الرباط | دعوة يتيمة انطلقت قبل مدة في المغرب عبر صفحات «فايسبوك» (الأخبار العدد 3456)، قبل أن تتحول في ظرف أسبوع إلى حقيقة على الأرض، وهي حملة لمقاطعة منتجات ثلاث من أكبر الشركات في المغرب. ويتعلق الأمر بكل من شركة حليب «سنطرال»، المملوكة لفرنسيين وجزء ضئيل منها ظلّ لـ«هولدينغ الملكي»، وبـ«إفريقيا غاز» لمالكها الملياردير ووزير الصيد البحري والزراعة عزيز أخنوش، وبشركة ماء «سيدي علي» المعدني، لصاحبتها رئيسة اتحاد رجال أعمال المغرب «الباترونا» مريم بنصالح.

النقاش في بدايات الدعوة «الافتراضية»، كان نظرياً منصبّاً بين الداعمين والرافضين، بشأن مصدر الدعوة وخلفياته وحقيقة أهدافه، لكن سرعان ما صار «أمراً واقعاً» يكتسح أوسع الشرائح الشعبية في المغرب. وعلى الرغم من وجود حملات مقاطعة سابقة في المغرب، لكن بعد تطوّر الحالية، بات السؤال مشروعاً حول ما إذا كانت الأوسع بين نظيراتها عربياً.

حملات مقاطعة مثيلة
في السنوات الأخيرة، وتحديداً بعد 2011، بدأت ثقافة مقاطعة المنتجات الأكثر استهلاكاً، تفرض حضورها عربياً عام 2014، وانعكست بوضوح عام 2015 في الكويت حين أطلق مدوّنون على «تويتر»، «هاشتاغ» (#خلوها_تخيس)، أي دعوها تفسد، وكانت حملة هدفها مقاطعة بعض أصناف البضائع، وعلى رأسها الأسماك، بسبب الارتفاع الكبير في أسعارها التي بلغت 16 ديناراً (نحو 52 دولاراً). تلت تلك الحملة أخرى في مصر، حين أطلق ناشطون حملة مقاطعة اللحوم بعد ارتفاع حالات الغضب فى الشارع المصري نظراً إلى ارتفاع الأسعار. ودشن رواد مواقع التواصل الاجتماعي حملتهم بـ«هاشتاغ» (#بلاها_لحمة)، داعين إلى مقاطعة شراء اللحوم قبل عيد الأضحى، الأمر الذي تعاملت معه الحكومة المصرية عن طريق استيراد 75 ألف رأس ماشية من السودان وتوزيعها عبر الجمعيات الاستهلاكية بالتعاون مع القوات المسلحة، ووزارة الزراعة.
وفي تونس، انتشر «هاشتاغ» في نيسان/ ابريل الماضي، أُطلق عليه اسم «خليه ينتن»، ضد غلاء الأسماك والمنتجات البحرية في معظم الأسواق. أما في الجزائر، فقد أطلق ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي «هاشتاغ» شهير ضدّ غلاء أسعار بيع السيارات المركبة محلياً، أُطلق عليه «خليها تصدّي» (دعها تصدأ). ولقيت الحملة تجاوباً كبيراً وسط الجزائريين، حيث تراجع عدد كبير من المواطنين عن شراء السيارات استجابةً لحملة المقاطعة.
لكن في كل هذه الحملات، لم يكشف الناشطون عن مدى خسارة وتضرر المنتجين المستهدفين من المقاطعة مالياً، بخلاف المغرب الذي تؤكد فيه أرقام «بورصة الدار البيضاء»، هبوط أسعار أسهم الشركات الثلاث المستهدفة.

الخسائر بالأرقام
بعد عشرة أيام من حملة مقاطعة المنتجات الثلاث، بدأت النتائج بالظهور على قيم أسهم الشركات المستهدفة، بحسب الأرقام التي عاينتها «الأخبار» في «بورصة القيم للدار البيضاء». فالشركة العملاقة «إفريقيا غاز» الأكثر احتكاراً لسوق المحروقات في المغرب، لمالكها عزيز أخنوش، بدأت نتائجها المالية بالتراجع، وتطورت هذه الخسارة في نهاية نيسان/ أبريل الماضي، إذ هوى مؤشر الشركة بنسبة 6 في المئة، لتغلق على سعر السهم بـ 3103 دراهم (306 دولارات) عوض 3300 درهم (327 دولاراً) الذي كان مسجلاً قبل الحملة بأقل من عشرة أيام.
شركة «أولماس»، وهي مالكة «سيدي علي»، فقدت 5.08 في المئة من قيمة سهمها الواحد، وهو ما يُمثّل خسارة قدرت بـ 97 درهماً للسهم، وذلك في حصة تداول واحدة. أما شركة «سنطرال دانون»، المملوكة بنسبة 99.7 في المئة للمجموعة الفرنسية «جيرفاييس دانون»، وتبلغ رسملتها في سوق الأسهم حوالى 6 مليارات درهم، فقد بدأت خسارتها تظهر في أول جلسة تداول في نهاية الشهر الماضي، إذ تراجعت قيمة سهم الشركة بنسبة 5.69 في المئة، لتكون ثاني شركة تتعرض لأقوى انخفاض في سعر أسهمها، بعد «إفريقيا غاز».
بناءً على هذه الأرقام، يؤكد نجيب أقصبي، وهو أستاذ جامعي وخبير اقتصادي مغربي، في حديث إلى «الأخبار»، «نجاح» الحملة، مُرجعاً السبب إلى «تركيز المقاطعين على ثلاثة منتجات احتكارية فقط». وهو الأمر الذي يجعل «تكتيك المقاطعة» ناجحاً وقابلاً للتمدد والانتشار في الأوساط الشعبية.
وإزاء صمت الحكومة، ثمّ خروجها أوّل من أمس، دفاعاً عن «الشركات المقاطَعة»، يرى أستاذ العلوم السياسية، حسن طارق، أنّ الأمر «خذلان» للمستهلكين، ودليل على «خدمة (الحكومة) لمصالح وزراء فيها جمعوا بين السلطة والمال». وتعليقاً على انتصار الحكومة للشركات بدلاً من المستهلكين، يقول طارق، في حديث إلى «الأخبار»، إنّ وظيفة الحكومة هي بالتأكيد «تجسيد فكرة حياد الدولة والدفاع عن المصلحة العامة والالتزام بالمسافة الموضوعية نفسها تجاه مكونات معادلة السوق وتحرير الأسعار وليبرالية العرض والطلب»، وبالتالي إنّ وقوف الحكومة رسمياً إلى جانب الشركات المحتكِرة على حساب المستهلكين المشتكين من الغلاء، هو «أكبر دليل على نجاح الحملة الشعبية».