تتطلع الأنظار إلى اليوم والغد لمعرفة المسار الذي ستتخذه «مسيرات العودة الكبرى»، وتوجد وجهتا نظر، الأولى ترى أن أفضل ما يمكن لهذه المسيرات تحقيقه هو التعبير عن الغضب من القرارات الأميركية، ولا سيما تلك المتعلقة بالقدس، وأن هدف المسيرات تسجيل موقف شعبي رافض لتلك القرارات. وعليه، يرى أصحاب هذه الوجهة أن المسيرات، رغم ما يصاحبها من تضحيات، ستضعف وتخبو بعد احتفالية نقل السفارة وذكرى النكبة، ولا سيما مع دخول شهر رمضان. وفعلياً، يراهن العدو على تعميم وجهة النظر هذه، وعلى استعجال عودة الهدوء أو على الأقل تراجع وتيرة المسيرات، بعد إمرار احتفالية السفارة وذكرى النكبة، بل يدفع في هذا الاتجاه عبر الحديث عن جملة من الإغراءات والوعود بتخفيف الحصار عن قطاع غزة (الجزرة)، مصحوبة بغارات ضد القطاع (العصا).

بعبارة أخرى: ترى وجهة النظر الأولى أن المحصلة السياسية العملية للمسيرات ستكون صفراً، بل من شأنها أن تورث الشعب الفلسطيني «جيلاً من العاهات»، وفق تعبير رئيس السلطة، محمود عباس، في خطابه في افتتاح «المجلس الوطني» الأخير في رام الله.
في المقابل، تراهن وجهة النظر الثانية على أن «مسيرات العودة» لديها ما يمكّنها من الاستمرار إلى ما بعد ذكرى النكبة التي هي محطة مفصلية، لكنها ليست النهائية في المواجهة المفتوحة بين الشعب الفلسطيني والعدو. وتقوم على أنّ ما تتعرض له القضية الفلسطينية من تآمر لشطبها وإنهائها، يقابله إرادة فلسطينية صلبة ارتفعت إلى مستوى التحدي، ولا سيما أن المسيرات استطاعت إحداث اختراق في السد الذي تصطدم به القضية الفلسطينية، سواء لناحية فشل خيار المفاوضات في تحقيق أي من أهدافه، أو لناحية استمرار الحصار على غزة، رغم الصمود الذي سطّره أهالي القطاع وقواه المقاومة على مدى 11 عاماً، تخللتها ثلاث حروب عدوانية ضارية.
أمام ذلك، يصبح التساؤل مشروعاً: هل مسيرات العودة مجرد هبة غضب عابرة أم تصلح لأن تكون ركيزة يمكن البناء عليها والتأسيس لما بعدها؟ من البديهي القول إن الجواب العملي سيتحدد بناء على سلوك القوى السياسية من جهة، والخيارات الشعبية من جهة ثانية. في الجهة الأولى، أعلنت السلطة، مواربة وبخجل، أنّها لا تدعم هذه المسيرات ولا تؤيدها. تجلى ذلك في عدم إعلان الإضراب العام، رسمياً حتى كتابة هذه السطور على الأقل في الضفة المحتلة يوم افتتاح السفارة الأميركية في القدس، وكذلك في عدم مشاركة القوى المحسوبة على السلطة في فعاليات مسيرات العودة في جنوب لبنان. عوضاً عن ذلك، ونظراً إلى الإحراج الذي تشعر به، استنفرت مناصريها للتصدي لقطعان المستوطنين الذين يدنسون المسجد الأقصى في الداخل، وتنفيذ اعتصامات متفرقة في الخارج، أي أن السلطة ارتأت أن تشارك موضعياً بما يخدم استراتيجيتها في التمسك بنهج المفاوضات، وما يقتضيه ذلك من عدم رفع مستوى التشويش على احتفالية نقل السفارة.
في المقابل، تتمسك قوى المقاومة بمسيرات العودة، وتسعى جاهدة للحشد لها، مؤكدة أن يوم النكبة لن يكون نهاية المسيرات، بل محطة مفصلية في مسيرتها. على رأس هذه القوى، تقف حركة «الجهاد الإسلامي في فلسطين»، و«حماس»، وباقي قوى المقاومة. تجهد هذه القوى، على خط مواز، لمواجهة الإغراءات والوعود التي باتت حكومة العدو تغدقها علناً، مباشرة عبر الصحف، أو بطريقة غير مباشرة عبر وسطاء من الأنظمة والحكومات العربية. جوهر هذه الإغراءات والوعود هو تخفيف الحصار مع التلميح إلى إمكانية رفعه كاملاً مستقبلاً. ولا يخفى أن هذه الطروحات تهدف، حتى في حال رفضها، إلى خلق شرخ بين القوى التي تتبنى خيار المسيرات، عبر التلويح بالعصفور الذي في اليد.
والسؤال الآن: هل تملك مسيرات العودة من القوة ما ينفع للرهان عليها؟ بطريقة أخرى: أيهما أجدى، القبول بتحقيق انتصار جزئي يتمثل في تخفيف الحصار عن غزة وأهلها ورفع المطالب إلى مستوى إنهاء الحصار كاملاً، أم رفض هذا العرض والرهان على تصعيد مسيرات العودة؟ من ناحية أولى، ثمة مكسب أساسي حققته «مسيرات العودة» حتى قبل الوصول إلى محطة يوم النكبة والمسيرة الكبرى يتمثل في أنّ المبادرة باتت بالكامل في يد الطرف الفلسطيني. فالأداء الفلسطيني وحده هو الذي سيحدد تطور الأحداث، وهو الذي بات بيده تقرير مستقبل المواجهة الحالية، وجعل من العدو الصهيوني في الموقع الأضعف الذي يبحث عن أرخص الأثمان مقابل انتزاع المبادرة من قوى المقاومة في غزة. فهل يستمر الوضع كذلك في حال توقف المسيرات، وهل يمكن إعادة تحريك الشارع في حال شعوره بالتخلي عنه؟
تشارك في «مسيرات العودة» أطياف الشعب الفلسطيني كافة، بمن فيهم النساء والأطفال والشيوخ والشباب، وجميعهم يهتفون بشعار واحد: العودة ولا شيء غير العودة. بعبارة أخرى: تمثل مسيرات العودة حراكاً شعبياً ممتلئاً بالإرادة، وأمامه هدف محدد قابل للتحقق والقياس، ومعروف سلفاً الثمن المطلوب لتحقيقه، مع استعداد شعبي لدفع ذلك الثمن، أي أن هذه المسيرات تمتلك هدفاً مثالياً هو تعبير عن مراكمة الشعب الفلسطيني لمسيرته، ما مكنه من تجاوز محطات سابقة. في انتفاضة 1987، استطاع فريق «الحياة مفاوضات» في «منظمة التحرير» حرف مسار الانتفاضة، واستغلالها أسوأ استغلال، وصولاً إلى اتفاق أوسلو المشؤوم، وذلك رغم التضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع والقدس. وفي انتفاضة الأقصى، عام 2000، نجح العدو في تصوير الانتفاضة على أنها حالة عسكرية استطاع استنزافها، وصولاً إلى فرض مواجهة عسكرية ضدها في مخيم جنين 2002، وفي اقتحام المقاطعة. لكن في كلتا الانتفاضتين، لم يكن ثمّة هدف متفق عليه فلسطينياً على عكس ما هي عليه الحال الآن. استطاع العدو أن ينفذ من داخل الخلاف الفلسطيني حول أهداف الانتفاضتين، بين من يريدهما انتفاضتي تحرير وبين من يريدهما انتفاضتي بناء الدولة، ليفشلهما. أما مسيرات العودة الحالية، فهدفها المعلن، على ألسنة المشاركين فيها الذين يدفعون الثمن من دمائهم وأرواحهم وأرواح أبنائهم، فهو العودة، رغم أصوات تحاول حرف هذا الهدف إلى أهداف أخرى.
ثمّة تجربة مهمة يمكن الاستفادة منها هي «هبة البوابات الإلكترونية» العام الماضي، التي استطاعت أن تحقق انتصاراً على الحكومة الصهيونية لما توفر لها من وضوح في الهدف وعدم الاختلاف عليه، وقيادة شعبية قوامها رجال الدين المسلمون والمسيحيون لم تنجح محاولات اختراقها كافة، وتوفر وسائل متناسبة مع الهدف. يضاف إلى ذلك وجود قوى مقاومة متأهبة ومستعدة للرد في حال ارتكاب العدو أي حماقة.
إضافة إلى كل ما تقدم، تشكل «مسيرات العودة» بذاتها قوة استراتيجية هائلة، فيما لو أحسن الاستفادة منها. وباختصار: أعادت المسيرات الصراع مع العدو إلى جوهره وأصله: هو صراع حول الأرض وارتباط الشعب بها، وليس صراعاً حول دولة أو حدودها. كما يملك شعار العودة قوة توحيدية هائلة للشعب الفلسطيني يتجاوز كل الانقسامات السياسية والفصائلية، ويعيد اللحمة إلى الشعب الفلسطيني عبر إعادة ربطه بأرضه، وإنهاء الانقسام والتجزئة السياسية والقانونية التي فرضها عليه «اتفاق أوسلو» الذي جعل لكل جزء من الشعب الفلسطيني وضعيته السياسية والقانونية، أي أن «مسيرات العودة» تملك القوة الكامنة على إنهاء «أوسلو» عملياً عبر إنهاء أهم إفرازاته، وإطاحة الفلسفة التي قام عليها.

تحقيق المسيرات أهدافها ليس مرهوناً بسلوك القوى السياسية، بل بسلوك الشعب


الأهم من ذلك أن المسيرات استطاعت الإجابة عن السؤال الكبير حول كيفية الرد على قرارات دونالد ترامب في ظل تشرذم فلسطيني، وانشغال شعبي، وتواطؤ رسمي عربي، وفي ظل عجز الشعب الفلسطيني عن الدخول في مواجهة عسكرية غير متكافئة مع العدو. فقد فرضت المسيرات حالة من الإرباك وصلت إلى حد الهلع لدى العدو الذي يحاول بسبل شتى مواجهتها واستنفار القوى الغربية وبعض الأنظمة العربية لمناصرته. أحيت المسيرات ملفات كان العدو يظن أنها قد طمست إلى غير رجعة، وتهدده بوضعه وجهاً لوجه أمام طوفان من اللاجئين الذين قد يخترقون الحدود وهم عزل من السلاح، فلا يملك سوى القمع والقتل وسيلة لمواجهتهم، مع ما قد يثيره ذلك من موجات غضب من شأنها أن تسعّر المسيرات لا أن تنهيها.
على أنّ تحقيق المسيرات هدفها ليس مرهوناً بسلوك القوى السياسية الفلسطينية وحدها، بل بسلوك الشعب الفلسطيني أيضاً، ولا سيما خارج قطاع غزة، تحتاج المسيرات إلى تمدد مجالها الجغرافي إلى كل أماكن وجود الشعب الفلسطيني، ولا سيما في الضفة والقدس والأراضي المحتلة عام 1948، والأهم إلى الأردن ولبنان. ورغم العقبات الكبيرة التي تواجه هذا التمدد، فإنه ليس مستحيلاً، لأن السياسة الرسمية للبنان هي التمسك بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، في حين أن لدى الأردن مصلحة أكيدة في مواجهة ما يحاك ضده من محاولة إلغاء رعايته الرسمية للمقدسات الإسلامية والمسيحية، وهو ما يهدد النظام القائم.
باختصار: المطلوب اليوم هو حماية مسيرات العودة، والرهان على استطاعتها تحقيق الهدف المنشود عبر تصعيدها إلى أقصى ما يمكن، والعمل على توفير الظروف المؤاتية لها، ورفض كل الإغراءات والوعود، وأن تكون قوى المقاومة جاهزة، كما هي دوماً، للتدخل في ردع العدو عن ارتكاب أي حماقة.
* كاتب فلسطيني مقيم في لبنان