يستمرّ التوتر بين ما يسمى «الشرعية» اليمنية ودولة الإمارات على خلفية الأحداث الدائرة في جزيرة سقطرى، في حلقة جديدة من مسلسل التنازع بين الجانبين، والذي بلغ ذروته أواخر كانون الثاني/ يناير الماضي، مع الاشتباكات الدامية التي شهدتها مدينة عدن. ويأتي هذا الفصل بعدما استطاع رئيس حكومة عبد ربه منصور هادي، أحمد عبيد بن دغر، باختياره توقيتاً مناسباً للقيام بزيارة لسقطرى، استفزاز الجانب الاماراتي وإخراجه عن طوره، وتثبيت ما كان يقال منذ بداية الحرب عن الأطماع الإماراتية في التسيّد على الجزيرة واستغلال موقعها ومواردها، والتي كانت الأطراف اليمنية الدائرة في فلك «التحالف» تتغافل عنها عندما كانت تصبح وتمسي على الحمد والثناء على «إمارات الخير»، و«سلمان الحزم».

هذه الوثبة «الشرعية» على الاحتلال الإماراتي في سقطرى ليست صحوة ضمير مفاجئة، أو يقظة مباغتة للوجدان الوطني وحس الانتماء إلى الأرض والحرص على وحدة البلاد، إذ لو كانت كذلك فعلاً، لكان يُفترض أن تشمل، ومنذ وقت مبكر، جميع أنحاء البلاد التي تعتبر وحدتها كلاً لا يتجزأ، وسيادة الدولة عليها حقاً من دون استثناء، ولرُفض تحكم القوات الإماراتية في المفاصل الرئيسة في المحافظات الجنوبية، ومنع أبنائها من الاستفادة من المطارات والموانئ والموارد النفطية، وتركهم للفقر والغياب التام للخدمات الحكومية.
لكن حكومة بن دغر لا تفتأ تعيش ازدواجية المعايير، وآخر مظاهرها إصدار بيان يحدّد الخلاف مع الإمارات بالسيادة الوطنية اليمنية على جزيرة سقطرى، في وقت تؤمن فيه هذه الحكومة نفسها الشرعية القانونية للحرب على اليمن، التي يدّعي «التحالف»، ومن ضمنه الإمارات، أن من بين أهدافها عودة «الشرعية» المزعومة إلى الأراضي اليمنية. وانطلاقاً من تلك الازدواجية، تحضر الأبعاد الإقليمية للخلاف الدائر على الجزيرة، وعلى رأسها تبعات الأزمة الخليجية المتواصلة منذ حزيران/ يونيو 2015، إذ يُنظر إلى أزمة سقطرى، واستفاقة «الشرعية» مدفوعة من «حزب التجمع اليمني للإصلاح» (إخوان مسلمون) إليها، على أنها مماثلة لما قام به الصومال أخيراً من فضّ للاتفاقات المبرمة مع الإمارات، وقبله جيبوتي، في تجلٍّ لقدرة قطر على تهديد المصالح الإماراتية في الإقليم، بعدما راكمت نقاط قوة، وثبّتت نفسها في معادلة البقاء ومن ثم المنافسة داخل البيت الخليجي.

تراجعت الإمارات عن تلويحها بالانسحاب من «التحالف»


نجحت «الشرعية» هذه المرة في حشر الجانب الإماراتي، ووَضَعَتْه في موقع الدفاع، حامِلةً إياه على استنفار كامل المنظومة الإعلامية والسياسية الخاصة به، بعد شعوره بأن هيبته ووجوده في اليمن أصبحا على المحك. ومن هنا جاء تهديد مستشار ولي عهد أبو ظبي، عبد الخالق عبد الله، الحكومة التي تحتضنها السعودية بأنها إذا استمرت في «افتعال المعارك»، فسيكون على الإمارات «تقييم دورها وإعادة جنودها للوطن سالمين بعدما أدّوا واجبهم الوطني وأكثر»، مُلوِّحاً بذلك بإمكانية الخروج من «التحالف».
غير أن الإمارات تراجعت عن التهديدات التي أطلقها مستشار محمد بن زايد، من خلال تغريدة لوزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش، قال فيها إن الإمارات «ستعمل ضمن التحالف العربي بقيادة المملكة السعودية لاستعادة الدولة اليمنية وهزيمة الانقلاب الحوثي». وأضاف أنه «كما استلمنا اليمن جريحاً، فإننا سنسلمه متعافياً قوياً يقرر مواطنوه شكل دولته ومستقبله». وعلى الرغم من التراجع الإماراتي عن التلويح بالانسحاب من «التحالف»، إلا أن هذا لا يعني أنها تراجعت عن احتلالها لجزيرة سقطرى، ليبقى الوضع على ما هو عليه من التوتر والتصعيد السياسي والإعلامي بين الطرفين.
واشنطن من جانبها لم تتأخر في التعليق. ومثلما كان موقفها من الأزمة بين حلفائها الخليجيين عبر إمساك العصا من الوسط، واستخدام ورقة الخلافات لابتزاز الطرفين، فقد علقت الخارجية الأميركية على وجود القوات الإماراتية في سقطرى بالقول: «إن الولايات المتحدة تتابع عن كثب الوضع في الجزيرة اليمنية، وتشترك مع جميع الأطراف في ضرورة تعزيز سيادة اليمن وسلامة أراضيه». وشددت المتحدثة باسم الخارجية، هيذر نويرت، على الحاجة إلى إزالة التصعيد والحوار، مضيفة أن «الحوار السياسي ضروري لحكومة الجمهورية اليمنية لضمان سلامة وأمن سكانها في سقطرى وفي سائر أنحاء البلاد». وفي ظل غياب العزم الأميركي والسعودي على التدخل الجاد لإيجاد حل للأزمة، تظلّ الأوضاع في سقطرى مرشحة لمزيد من التأزم.