سلفيت | تزال النكبة تمثل انعكاساً للمأساة والمعاناة واللجوء، فهذه الكلمة حتى بعد 70 عاماً عندما تُلقى على مسامع أي شخصٍ، حتماً ستُخرج من ذاكرته مشاهد طوابير اللاجئين، أو ربما متقطفاتٍ من مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ليرى عائلة أبو أحمد وعائلة أبو عايد ومئات العائلات التي اضطرت إلى الهرب من قراها خوفاً؛ هذا ما زُرِع في العقل الباطني لغالبية الفلسطينيين وحتى العالم العربي، لكن الوجه الآخر للنكبة لم يقف عنده سوى قلائل، أي بسالة الفلسطينيين ومجموعات عربية وإسلامية أخرى.

إن التركيز على صورة الضحّية الخانعة كان أسلوباً دأب عليه معظم السياسيين الفلسطينيين والعرب، وذلك وفق نظرتهم «لتوصيل رسالة إلى العالم والمجتمع الدولي بأن الفلسطينيين شعبٌ مظلوم ومشرّد، ويتعرض للمجازر والأبارتهيد، والإبادة الجماعية»، لكن الأصح أن «خطاب الضحية» لا يتعارض أبداً مع خطاب المعركة، كون المقاومة بالبندقية حقاً أخلاقياً وإنسانياً ودينياً، ومن ثم صار مكفولاً في القوانين والمواثيق الدولية. لكن، منذ أكثر من نصف قرنٍ تخرّجت أجيالٌ من الكتاتيب ثم المدارس والجامعات، وكتب «التربية الوطنية» أمامها تنتهج خطاب «الضحية المهزومة المستسلمة للذبح»، فلا أحد حدّث هذه الأجيال عن بسالة أجدادهم ورفاقهم العرب، وهو ما أفرز، كما يقول باحثون، أجيالاً لا تثق بنفسها، وتزدري الأجيال السابقة، لأن الصورة الراسخة في أذهانهم هي لقرى تصطف بأكملها رافعة الرايات البيضاء وتسير في طوابير تؤدي إلى إعدام الرجال وبقر بطون الحوامل، ثم تكمل البقية مسيرها على الشوك إلى دول الطوق العربي. ولذلك، ليس غريباً وجود مقولةٍ دارجة فلسطينياً عند الأجيال الحالية: «سلّمونا البلاد محتلة ومقاتلوش، خرّبوها وبدهم نحررها!»

وهاب يقود معركة «مشمار هعيمك»


في الثاني عشر من نيسان 1948، تمركزت قوة تتبع جيش الإنقاذ العربي أفرادها من دروز فلسطين وسوريين في قرية هوشة وخربة الكساير من أجل تخفيف الضغط عن القوة العربية التي كانت تهاجم مستوطنة «مشمار هعيمك»، وقائد هذه القوة كان شكيب وهاب، وقد شارك في الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي بقيادة سلطان باشا الأطرش.
اختلفت المراجع التاريخية حول عدد الشهداء العرب والفلسطينيين خلال المعركة، لكن الأستاذ سعيد نفاع رجح أن يكون عدد المقاتلين الذين ارتقوا فيها نحو 150، إضافة إلى عشرات الفلاحين الفلسطينيين، فيما تكبد الاحتلال خسائر كبيرة، خصوصاً في صفوف ضباطه، بينهم شقيق وزير الأمن الأسبق موشيه دايان.

الحسيني «يقلب عاليها واطيها»!
في الـ11 آذار من عام النكبة، استقل التلحمي أنطون داود سيّارة القنصل العام الأميركي، واخترق كل نقاط التفتيش الإنكليزية والمخافر الصهيونية الموزعة على مداخل الأحياء اليهودية في القدس، ولم يشك فيه أحد لكونه يعمل سائقاً شخصياً للقنصل، لكنه كان يحمل شحنة من الألغام والمتفجرات تزن 250 كلغ في صندوق السيارة الخلفي، وفق المؤرخ حسن البدري الذي يسرد تفاصيل واقعة مقر «الوكالة اليهودية» في كتابه «الحرب في أرض السلام» الصادر عام 1976.
الخطة كان قد رسمها القائد الفذ عبد القادر الحسيني وأعطى الضوء الأخضر لقائد فرقة التدمير العربية فوزي القطب ورفاقه للتنفيذ في شارع جورج الخامس. تكمن أهمية المبنى المستهدف في أنه يضم مكاتب بيت المال اليهودي المعروف باسم «كيرين هايسود»، والمجلس المالي اليهودي، ومكاتب الإدارة السياسية التي يعمل فيها زعماء الصهاينة في فلسطين.
يكمل عارف العارف رسم مجريات عملية التفجير في كتابه «نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود»، الذي صدَر في بيروت عام 1956، مؤكداً أن أنطون بَرَع في قيادة سيارة القنصل الأميركي حتى مدخل مقر الوكالة اليهودية، وركنها عن قصد قرب الجناح الشمالي لضمان تدمير المكاتب الأكثر أهمية، ثم ترجل بهدوء وأشعل الفتيل وانسحب من المنطقة.
وفي رواية موقع «باب الواد» عن مؤرخين، «اشترى فوزي القطب من برلين ساعة ذهبية سويسرية الصّنع ليهديها لفتاةٍ أحبها من يافا، لكنه نزع عقرب السّاعات منها ليثبتها على العبوة الكبيرة داخل مركبة القنصل الخضراء المفخخة، وأضاف القطب إلى متفجراته مزيجاً من الزئبق وحمض النايتريك والكحول أو ما يسمّى فلومينات الزئبق ليستخدمها كمفجر ابتدائي لعبوته الضخمة». وقبل العاشرة بربع ساعةٍ، من صباح الحادي عشر من آذار، دوّى صوت الانفجار العظيم الذي سُمع صداه في أحياء القدس شتى، وانهار القسم الشمالي من مقر الوكالة، وشبّ حريق هائل أسفر عن إتلاف غالبية الأرشيف اليهودي هناك؛ خلّف الانفجار 36 قتيلاً وعدداً كبيراً من الجرحى من بينهم مجموعة زعماء في الحركة الصهيونية كانوا في اجتماعٍ لدراسة مسألة الخلاف الطارئ بين العصابات الصهيونية الثلاث (الأرغون، شتيرن، الهاغاناه)، ومنهم اريي ليب جافي.

الحسيني للإمدادات: ممنوع التجول!
عام 1972 تبرعت الجالية اليهودية بـ15 مليون دولار لإنشاء «حديقة كندا الوطنية» في اللطرون الذي تمت خسارته في 1967. يقول الباحث إسماعيل أبو شميس: «في الحديقة عام 2000، شاهدت الدبابة المرفوعة على برج في الطريق المؤدي إلى القدس وأمام النصب التذكاري "ياد لا شيريون"، والأخير واحد من أضخم متاحف الحروب في العالم وأكثرها تنوعاً، إذ يتضمن ما يزيد على مئة دبابة ومصفحة من طرز مختلفة... هيبة المتحف دفعتني إلى التساؤل: "ما الذي أتى بكندا إلى هنا؟».
وفقاً لأبو شميس، لم تكن كندا في المنطقة ولا حتى «ياد لا شيريون»، فقط كان هنا عبد القادر الحسيني يقبض على كل الطرق المؤدية إلى المدينة المقدسة: ثلاث هجمات صهيونية متتابعة لفتح الطريق نحو القدس من دون أن تنجح واحدةُ منها حتى في إيصال بضع رصاصاتٍ للصهاينة المحاصرين في حصون «القدس الغربية».
ذات مرة حاول اللواء شيڤع دخول باب الواد، منتفخاً بأساطير الوعد ومطلقاً على عملياته اسم «بن نون» ليفتح بوابة المدينة، فلم يخرج منها إلا بعد أن تدخلت كتيبتان من اللواء «اسكندورني» لإخلاء قتلاه وجرحاه. ثم أعادوا الكرة بعد أن استدعوا الضابط الأميركي المجرب الذي استدعي من الولايات المتحدة ليحول العصابات اليهودية إلى جيش نظامي، وهو ميكي ماركوس، فمني بالخيبة نفسها مرتين، ثم انصرفت جهود الكولونيل ماركوس إلى بناء أول طرق التفافية في البلاد أطلق عليها اسم «طريق بورما»، وذلك على اسم الطريق الشهير بين بورما والصين، الذي شق في الحرب العالمية الثانية عبر مناطق جبلية وعرة من أجل تزويد الصين بالسلاح لتتمكن من مواجهة الإمبراطورية اليابانية.
يكمل أبو شميس عن ماركوس أو ميكي، كما كان اليهود يحبّذون تسميته، أن «ميكي لقي حتفه في دير أبو غوش قبل اكتمال بناء الطريق، وبدلاً من أن يؤسس كلية الأركان التي كان قد بدأ فعلاً إعداد منهاجها، تحول إلى "خيال بوديد" أو جندي وحيد، ولقب "خيال بوديد" تم إطلاقه للمرة الأولى على ماركوس ليمنح مقتله بعداً مأسوياً، والمصطلح ينصرف اليوم على كل جندي يقيم وأسرته خارج بلدنا، أتى للمشاركة في الحرب وقتل بعيداً عن أهله وأصدقائه».
ففي أواخر الثمانينات، أعلن ضابط العدو السابق عوزي ناركيس، الذي شارك في معركة القسطل وقاد المنطقة الوسطى في حرب 1967، أنه يرغب في تسليم المصحف الذي أخذه من صدر عبد القادر بعد استشهاده إلى ابنه فيصل، واشترط أن يتم ذلك وسط تغطية إعلامية في باحة الأقصى. يروي الباحث أن الضابط الذي بدأ يشعر بفقدان المعنى بعد غيابه عن الأضواء أراد أن يعود إليها من خلال «فيستيڤال» مرتبط بالجرح الأعمق في الوعي العسكري الصهيوني، لكن فيصل الحسيني رفض العرض، وأرسل إلى الضابط مخاطباً إياه: «كان عليك أن تتعلم أكثر عن العادة العربية في مثل هذه المواقف، وكيف نسترد مقتنيات شهدائنا».

فوزي القطب: عرّاب التفخيخ
المتمعن في تاريخ المركبات المفخخة في الأدبيات التاريخية لا بد أن يلحظ تكرار اسم خبير المتفجرات الفلسطيني فوزي نامق القطب. وعلى رغم أن القُطب ليس خبير المتفجرات اليتيم فلسطينياً في رحلة الكفاح والمقاومة، فإنه نموذجٌ بارز يستحق أن يُشار إليه لمسيرته الحافلة من سوريا إلى فلسطين. القطب مقدسيٌ من مواليد العاصمة السورية دمشق عام 1917، ينقل موقع «باب الواد» عن المؤرخ الأميركي ج. بووير بل، أن القطب «أشقرٌ ذو عيونٍ خضراء، فارع الطول، ويُجيد الإنكليزية منذ بداية ريعان شبابه، بسبب عمله في المطبعة الحكومية البريطانية، فيما أجاد اللغة التركية عن والدته». ولا يغفل المؤرخ أن يحكي عن القطب «ولعه بتفكيك الأشياء وإعادة تركيبها منذ صغره».
التحق القطب بالثورة الفلسطينية الكبرى فور اشتعالها عام 1936، وخاض عدداً من المعارك القوية خلالها، ثم شكّل مع عددٍ من شباب القدس خليّة سرية نفذّت عدة عمليات واشتركوا جميعاً من مصروفهم الشخصي لشراء مسدسٍ واحد وسبع طلقات. وبداياته مع المتفجرات تعود إلى اهتدائه إلى تفكيك مخلّفات الحرب العالمية الأولى من الألغام التركية التي كان يعثر عليها، ويعيد تصنيعها كقنابل يدوية ذات فتيل. وانتشى بأن رمي القنابل اليدوية على بيوت الصهاينة قد أصبح عادةً روتينيةً لديه، قائلاً إنه ألقى بيده في الثّورة الكبرى 56 قنبلة على حافلات وبيوت العدوّ، ليصبح «سيد القنابل اليدوية» كما أطلق عليه المؤرخون الصهاينة والأوروبيون.
تزامناً مع تصاعد هجمات القُطب انتهج الصهاينة الحيطة والحذر أكثر، الأمر الذي استدعى من «عرّاب التفخيخ» ابتكار أساليب أخرى في إلقاء القنابل، ومن أمثلة ذلك ربط فتيل القنبلة بالبالون ثم إلقائه أمام بيوت المستوطنين، فينفجر البالون قبل القنبلة، وعندما يخرج العدو لاستفهام مصدر الانفجار الأول يُعاجله انفجار القنبلة الحقيقية. وذات يوم أمسك بقنبلة «ميلز» يدوية للمرة الأولى، فقرر الاحتفال بوجبة غداء دسمة، لكنه لم يحتمل كثيراً، فقادته خطواته ليرمي القنبلة على مقهى يهودي.
تَطَور القطب تدريجاً ليتحول إلى «سيد القذائف اليدوية القوسية»، التكتيك الذي يشبه إلى حدٍ ما «الهاون» أو «المورتر»، إذ يعتمد على ضرب الأهداف المخفية كالبيوت من خلال نيرانٍ تقع على شكلِ قوس، لكن فوزي قلب القوس بطريقة خاصة.
اجتاز القطب دورة كوماندوز، ثم سار ليكمل دورة في المتفجرات داخل هولندا، حيث تعلّم الألمانية والإيطالية، وضمن بذلك إجادته خمس لغاتٍ. وفي 1944، طُلِبَ منه لتفوقه التّوجه إلى الجبهة الشّرقية ليحارب مع الألمان، وفي روايةٍ أخرى كان الطلب أن يصحب أربعة أعضاء من الكوماندوز الألمان إلى فلسطين، لكنه رفض مجيباً: «هذه ليست حربي». وبسبب هذا الرفض، تقول الرواية إنه اعتقل وحكم عليه بالإعدام، لكن مفتي القدس توسط لدى هاينريش هيملر للعفو عن القطب، فغادر الأخير برلين على وجه السرعة بسبب إطباق قوات الحلفاء عليها، وتوجه جنوباً في رحلة طويلة إلى النمسا، حيث قبض عليه الجيش الأميركي وأودع في الاعتقال 4 أشهر قبل أن يعود إلى فلسطين.
تشير المصادر العربية إلى أنه عاد إلى سوريا ثم دخل إلى فلسطين مع حسن سلامة بعد إعلان قرار التّقسيم، لكن المصادر الأجنبية والصهيونيّة تتفق على أنه عاد إلى فلسطين عبر سفينة من مارسيليا تحمل على متنها 1500 من اليهود ضحايا النّازية، وأنه استطاع التّسلل إلى تلك السّفينة عبر الوشم الذي يحمله من المعسكرات النّازية، والذي أوحى بأنه أحد النّاجين من المحرقة، وقد ساعدته هيئته واللغات التي يتقنها على التّخفي. وفور وصول عبد القادر الحسيني إلى فلسطين قادماً من مصر إلى الخليل، وبعد شهرٍ من قرار التقسيم، تم تكليف فوزي القطب قيادة «فرقة التدمير العربية».


«دير ياسين»... الوعي المضاد
لا شك في أن مجزرة دير ياسين من أبرز الحوادث التي خلّفت آثارها النفسية والمعنوية الميدانية في الصراع مع الحركة الصهيونية، وقد استقرت في الوعي والذاكرة الفلسطينية والعربية كجرح لا يندمل، حتى أن أجيالاً ترّبت على جملة المدرسين المشهورة: «فرّوا من دير ياسين، فخافت بقية القرى وفعلت الأمر نفسه قبل أن يصلها اليهود».
يتحدث بهجت أبو غربية، الملقب بـ«شيخ المناضلين»، عن أنه كان من بين من تعاملوا بحكمة مع موضوع المجزرة، وحاولوا تخفيف انعكاساتها النفسية على الناس خلال حرب النكبة. يقول أبو غربية في مذكراته بعد أن يسرد تفاصيل الاتصال به وتوجهه إلى مدخل «مئه شعاريم» في القدس المحتلة، أنه وجَد 200 من أطفال ونساء دير ياسين في حالة «تقشعر لها الأبدان»، مضيفاً: «أدخلتهم إلى إحدى المدارس ومنعت الاختلاط بهم إلا لمن يقدم إليهم الطعام والماء». ويواصل: «اتصلت باللجنة القومية في القدس لاتخاذ الترتيبات اللازمة لنقل اللاجئين إلى مكان آمن والحيلولة دون اختلاطهم بأهل المدينة إلى أن يهدأ روعهم».
بعد 70 عاماً من مجزرة دير ياسين لا يزال وقع كلمة مجزرة قاسياً على وعي الفلسطينيين وذاكرتهم، لكنهم لم يُدركوا ما فعله أبو غربية للتخفيف من آثار المجزرة، وهذا ينُم عن وعيٍ كان يتمتع به الفدائيون الذين لم يتصدّوا ببنادقهم فقط، بل حاولوا استيعاب ضربة العدو للمحافظة على معنويات الأهالي.
أما الصحافي حذيفة جاموس، وهو متابع لشأن النكبة وتاريخها، فيقول إن المؤرخين والأعمال الدرامية التي تعرّضت للنكبة أيضاً لم تتطرق إلى المقاومة بل تبنت خطاب الضحية غالباً، وهذا يعود إلى جملةٍ من الأسباب منها إبراز الفلسطيني كضحية مسالمة ولطيفة سيقت إلى الموت، مستدركاً: «صحيح أن النكبة كانت ظُلماً كبيراً، وهي كذلك بلا شك، لكن تبنّي الرواية المنقوصة فيه ظلمٌ أكبر لتاريخ الشعب». يشرح جاموس أن معظم القوة الفلسطينية كانت مركزيتها في الضفة أساساً، وهذا هو «ما منع سقوط مدن وقرى كثيرة بيد العصابات الصهيونية خلال النكبة، فيما شكّلت معارك القدس نصراً عسكرياً للفلسطينيين بعد صمودٍ أسطوريٍ». ويعطي أمثلة على ذلك: «لماذا لم يهاجر أهل القدس بعد مجزرة دير ياسين على رغم أن الأخيرة من قرى القدس؟ ولماذا لم تُحتل مدينتا جنين وطولكرم على رغم قربهما من الأراضي المحتلة عام 48؟».


سيجارة توقف صحيفة «الوكالة اليهودية»
بعد تفجير عصابة «شتيرن» مبنى السرايا في يافا في الرابع من كانون الثاني 1948، شهد اليوم التالي تفجير فندق «سميراميس»، تبعه فندق «الملك داوود»، ثم إلقاء القنابل على باب العمود وفي يافا وفي حيفا، كل ذلك لإرهاب المجتمع الفلسطيني وتدمير معنوياته. هنا قرّر عبد القادر الحسيني تنفيذ سلسلة ضرباتٍ لتأديب العدوّ، وكان قد أعدّ قبل دخوله إلى فلسطين بنك أهدافٍ يحتوي على 165 هدفاً لكن منع الحكومة المصرية له من إدخال المتفجرات، والتظاهرات العربيّة التي انطلقت في كلّ شوارع فلسطين بناءً على دعوة بعض القيادات، حالت دون تنفيذ خطته. وعلى رغم ذلك، خصص 15 ألف جنيه كموازنة لشراء مستلزمات ومتفجرات فرقة التّدمير التي يقودها فوزي القطب.
لم يطل الرد الفلسطيني كثيراً، إذ احتجبت صحيفة «بليستاين بوست» عن الصدور لأن نصف طنٍ من مادة "TNT" المتفجرة موصولةٍ بفتيل كانت كفيلة بتحويل بنايات الصحيفة المتحدثة باسم «الوكالة اليهودية» إلى رماد، وذلك بعد أن نجح جنديان بريطانيان (ايدي براون وبيتر ماديسون) وسيارة عسكرية بريطانية مسروقة برفقة مقاتل عربي ثالث في وضع اللمسات الأخيرة على هذه العملية وسط الأحياء اليهودية في القدس على رغم التشديد البريطاني والصهيوني الخانق. وأعلنت نهاية السيجارة التي تم تثبيتها في الفتيل احتجاب الصحيفة في الأول من شباط 1948، وقد وصلت رسالة الحسيني ورفاقه التي مفادها بأننا «قادرون على الوصول إلى أي مكان».
لم تتوقف عمليات القطب عند هذا الحد، بل تبعتها لاحقاً عمليات كبرى كعملية شارع «بن يهودا»، التي تم فيها تفخيخ ثلاث شاحناتٍ بثلاثة أطنانٍ من "TNT"، وأضاف القطب عليها 100 كلغ من مركبٍ لزجٍ يسمى «فلاش بَوَر» يساعد على خلق وهج يساوي وهج 2000 قنبلة مضيئة، وبذلك تُضاعف قوة الانفجار بنسبةٍ تصل إلى النصف، وتُرسل شظايا حارقة لمسافاتٍ بعيدة عن مكان الانفجار. انطلقت القافلة من بيرزيت باتجاه اللطرون، وفي طريق يافا ــ القدس عند باب الواد حرفت طريقها إلى القدس بهدف التمويه بأنها آتية من تل أبيب. في 22 شباط 1948، انفجرت الشاحنات الثلاث بفارق زمني مقداره دقيقتان بين كل انفجار، وبمسافة 50 متراً بين كلّ شاحنة وأخرى، وهدمت التفجيرات تسع بنايات ضخمة في شارع «بن يهودا» أبرزها فندق «الأطلنطي» ومقر قيادة عصابة «الأرغون»، وخلّفت عشرات القتلى الصهاينة.
ركّزت عمليات «فرقة التدمير» بقيادة القطب وإشراف الحسيني على القدس لأسباب عدة أبرزها فرض معادلة توازن الرعب مع العدو، ولإحكام الحصار العربي على الأحياء اليهودية والمستوطنات المجاورة، واستهداف رؤوس العصابات الصهيونية بهدف كسر المعنويات. والنقطة الأخيرة تتصل بمسألة الحد من تفوق العدو في العدّة والعتاد، وتنوعت ما بين الدفاع عبر التفجير خلال خوض المعارك، أو «اختراق الحصون» كما جرى في شارع «بن يهودا».


«ماكو هِريبة»!
قبل نحو 68 عاماً كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً قالت فيه، لقد «شهدت قاقون معركة دامية وحرب شوارع بالسكاكين وأعقاب البنادق»، إذ كانت تلك آخر المشاهد قبل أن تضع الحرب أوزارها، في طريق السكة الحديدية التي تربط مدينتي الخضيرة وطولكرم، شمال الضفة ووسط فلسطين.
قرية قاقون المهجرة تُشرف على منطقتيْ وادي الحوارث ووادي القباني بكاملها، وعلى مستوطنات «همعبيل» و«عين هحوريش»، وقد شكّلت القرية نقطة ارتكاز مهمة للدفاعات العربية في منطقة المثلث داخل الأراضي المحتلة عام 48، وذلك في الجبهة الممتدة من رأس العين حتى بلدتي مقيبلة وصندلة شمالاً.
تؤكد روايات شفوية أن الجهة الشرقية من قاقون هي الثغرة الوحيدة التي استغلتها قوات لواء «اسكندروني»، إذ ترك المقاتلون هذه الجهة بلا تحصين، وذلك بغرض نقل الإمدادات والمؤن والجرحى من قاقون إلى طولكرم، فكانت هذه الثغرة هي القاضية.
تنوعت تكتيكات العدو في معركة قانون، إذ أرسل سرايا استطلاعية إلى جنوب غربي القرية، واشتبكت مع المدافعين عنها، وفي هذا الوقت، كانت القوة الأساسية الصهيونية تلتف حول القرية من الثغرة الشرقية، تزامناً مع القصف المدفعي المُركّز لثلاث ساعات، وتخلل المعركة قصف معاكس من المدفعية العراقية في القرية والرابضة في محيط قرية شويكة.
بعد عمليات كر وفر بين المدافعين والمهاجمين، زجت القوات الصهيونية بأربع فرق جديدة ساندتها أربع طائرات قصفت تجمعات المقاومين، وأعطبت حافلات النجدة الآتية من محيط طولكرم كانت محملة بعشرات الفلاّحين المقاتلين من القرى المجاورة.
احتلت قاقون بعد معركة استمرت 17 ساعة، وآخر مشاهد المعركة كانت اشتباكات بالسلاح الأبيض حتى تمكن العدو من إقصاء آخر المدافعين عن القرية واحتلالها.
زرعت إحدى الوحدات اليهودية الجهة الجنوبية الشرقية من قرية قاقون بالألغام، وهو ما دفع القوات العراقية إلى منع المقاتلين الفلسطينيين من اجتياز سكة الحديد والعودة لاستعادتها، وقد اعتبر البعض الأمر تخاذلاً من جانب العراقيين.
ربما يكون احتلال قاقون قد أبطل مفعول انتصار القوات العراقية على جبهة جنين بقيادة اللواء عمر علي، وهو قائد الفوج الثاني من اللواء الخامس العراقي، ومنع الجيش العراقي من شطر الدولة الوليدة إلى نصفين ومنع العراقيين من التقدم في سهل مرج بن عامر.
قبل احتلال قاقون كانت قوات العدو قد دمرت كل أو معظم القرى المحيطة بها، التي كانت تتبع طولكرم، لتبقى قاقون وحيدة في محيط الخراب الذي تركته القوات اليهودية في المنطقة التي تعتبر من بين المناطق الأكثر خصوبة في فلسطين.
33 جندياً عراقياً من الفوج الأول في اللواء 15، بقيادة الملازم أول محمد يعقوب، دخلوا قاقون بهدف سد الفراغ الذي تركه انسحاب قوات الإنقاذ ثم القوات الأردنية، وانضم إليهم متطوعون عراقيون ممن تخلفوا عن جيش الإنقاذ، فأصبحوا 43 جندياً، بقي منهم حياً بعد اشتباكاتٍ مع الصهاينة ثلاثة فقط.
يُنقل عن مؤرخين أن يعقوب اتصل عبر اللاسلكي بقائد المدفعية العراقية في طولكرم، المقدم عادل نجم الدين، وطلب منه تغطية نارية، لكن الإجابة كانت «ماكو أوامر»، وهي من بين الكلمات التي حُفرت عميقاً في ذاكرة الفلسطيني طوال سنوات ما بعد النكبة حتى الآن. ولكن يعقوب سار عكس كل النصائح له بالانسحاب، حتى رُوي أنه بقي يقاتل لدرجة أنه تعارك بيديه مع المهاجمين، وبهذا ردّ يعقوب على الرواية المتداولة لاحقاً بقوله «ماكو هِريبة» بدلاً من «ماكو أوامر».