1 ــ عَرْكة الجنرال

خرج اللواء إسماعيل صفوت باشا من فندق «شبرد» الذي يقيم فيه في القاهرة، ليتريّض قليلاً. كان هذا الجنرال العراقي هو من اختارته الجامعة العربية ليقود «جيش الإنقاذ» المكلّف بمهمة تحرير فلسطين من العصابات الصهيونية. وبدت هذه المهمة التي ألقيت على عاتق إسماعيل باشا ثقيلة، فهو لم يخض حرباً في حياته قطّ، لكنه نال رتبته العسكرية بحكم الأقدمية في السلم الوظيفي. وأحبّ الجنرال أن يتخفّف من ضغوطه، فقد كان عليه أن يرأس اجتماعاً، بعد سويعات قليلة، تعقده اللجنة العسكرية لجيش الإنقاذ، في مقر جامعة الدول العربية. ووجد إسماعيل باشا أن بإمكانه أن يتنزّه بجوار نهر النيل، في ذلك الصباح الربيعي من يوم 12 أيار/ مايو 1948. ثم قادته قدماه رويداً رويداً إلى التوغل قليلاً في شوارع القاهرة، حتى وصل إلى شارع إبراهيم باشا (شارع الجمهورية حالياً)، في الأزبكية. ولعل الجنرال كان ينوي الوصول إلى شارع «كلوب بك» القريب جداً من ذلك المكان، وكان الكل يعرف أنه أشهر أماكن الدعارة المرخصة في مصر. ثم رأى صفوت باشا بعض الغلمان قرب سور الأزبكية يلعبون لعبة «الثلاث ورقات»، فوقف يتفرج عليهم بفضول، ولم يلبث حتى تمّ استدراجه للعب. ولسوء الحظ، فقد خسر الجنرال كل ما كان في جيبه من النقود. وعزّ على القائد العام للجيوش العربية المكلف بتحرير فلسطين أن يغلبه أحد الغلمان في معركة «الورقات الثلاث». بدأ الرجل يفقد أعصابه، وأخذ يصرخ في منافسه، ويتهمه بأنه لص. ولمّا أيقن الجنرال أنه فقد كل جنيهاته قرّر أن يمسك بالغلام المحتال الذي لاعبه، ويستدعي الشرطة لكي يرجعوا له أمواله. تملص الفتى من القبضة الغليظة لماسكه، وأطلق ساقيه للريح. لم يتردد الجنرال في الركض للحاق به. بدا المشهد للمارة ، في شارع إبراهيم باشا، كوميدياً. كان هناك رجل ضخم مفتول الشاربين، يرتدي حلة أنيقة وطربوشاً فخماً، ويجري كالمجنون للحاق بأحد المتشردين. نجح الباشا أخيراً في القبض على الغلام المحتال، وجرّه بعنف إلى قسم بوليس الأزبكية. وحينما علم رجال الشرطة منصبَ هذا الرجل الذي كان يجري في الشوارع مطارداً غلاماً، هالَهم ما اكتشفوه. وظلّ الجنرال العراقي هائجاً لأنّ إجراءات التحقيق بطيئة جداً، وهذا التعطيل سيؤخره عن حضور اجتماع اللجنة العسكرية لـ«جيش الإنقاذ» المكلفة بإعداد الخطط لتحرير فلسطين. وبالفعل، تم تحرير محضر رسمي بالواقعة. وبعد أن شاع خبر الجنرال، حاولت الجامعة العربية التدخّل لمنع نشر وقائع الحادثة في الصحف حرصاً على سمعة الرجل، وإبقاءً على هيبة منصبه كقائد عام لجيشها، ولكنها لم تفلح. وتم نشر الواقعة في الصحف المصرية (1)، كما دُوّنت في محاضر الشرطة.

2ــ شرف الملك
«لقد وعدتني، يا جلالة الملك، بأن لا يقوم جيشك بمهاجمة اليهود مهما حصل. ونحن اعتبرنا وعدك لنا بمثابة كلمة شرف». نظر الملك عبد الله إلى غولدا مائير ملياً، ثم نطق كلماته ببطء: «تذكري، يا سيدة مايرسون، ثلاثة أشياء، ولا تنسي ذلك أبداً: أنا في الأصل من أصول بدوية. وليس لبدوي شيء أغلى عنده من شرفه. وأنا ملِك، وهذا يعني أنّ قيمة كلمة الشرف، عندي، مضاعفة. وأنا رجلٌ، والرجال عندنا لا يحنثون بوعودهم لامرأةٍ، قطّ». وابتسمت غولدا ابتسامة مصطنعة، كانت لا تزال ترتدي الكوفية والعقال فوق رأسها، منذ أن جاءت متنكرة من غور الأردن إلى عمّان، في سيارة «بيك آب» قادها محمد الضباطي مرافق الملك عبد الله. قالت غولدا مائير: «نريد منك، يا جلالة الملك، أن تعقد صفقة مع إسرائيل، وأن نقيم صلحاً بيننا. لا تبعث جيشك لقتال جيشنا. وفي المقابل تقبل الوكالة اليهودية بضم الجزء العربي من فلسطين إلى التاج الهاشمي». قال الملك: «ربما يحصل الصلح بيننا، في مستقبل قريب، تكون فيه الظروف بين العرب واليهود أنسب، لكنني لا أرغب أن أعلن التصالح معكم الآن، فهذا سيجعلني خارجاً عن إجماع العرب. كما أنني لا أستطيع أن أتجنب إرسال الفيلق العربي إلى فلسطين لأن ذلك سيظهرني بمظهر الخائن أمام شعبي. لكنّ ما أعدكم به هو أن لا أقاتلكم أبداً. وسيقف جيشانا كل في موضعه، ولن آمر بإطلاق النار على اليهود». لم تعجب غولدا مائير هذه الإجابة التي ساقها المترجم الإسرائيلي لها، وبدت على وجهها علامات امتعاض. وحاول الملك أن يلاطفها ويطمئنها من دون جدوى. ولاحظ أنها لم تأكل شيئاً من الطعام الذي وضع أمامها، فجعل يرغّبها في الأكل ويشجعها على تناول الفاكهة. ولم تجد رئيسة اللجنة السياسية في الوكالة اليهودية شهية للأكل، في تلك الليلة الحاسمة قبيل يومين اثنين من موعد إعلان قيام دولة «إسرائيل». لم يكن بوسعها أن ترفض ما يعرضه العاهل الأردني عليها، لكنها حاولت ما أمكنها تحسين شروط الاتفاق. طال الجدل بين الاثنين إلى أن اقترب انبلاج فجر يوم الأربعاء 12 أيار/ مايو 1948، ولم يعد بالإمكان أن تنال السيدة اليهودية من الملك العربي أفضل مما نالته. وكررت غولدا على الملك أنها تعتبر وعده بعدم مقاتلة إسرائيل، هو عهد بينهما. وأعاد عبد الله طمأنتها من جديد (2).
سوّت غولدا مائير الكوفية العربية فوق رأسها، وضبطت العقال جيداً، ثم قامت من مجلسها. أوصلها الملك بنفسه إلى باب القصر. ركبت سيارة «البيك آب» مع مرافقها المترجم، وقاد محمد الضباطي السيارة إلى الحدود مع فلسطين. وفي قصر رغدان جعل عبد الله يتندّر على غولدا، ويقول: «شو هاظ؟! يلعن سقف حلق إرجينها أخت الـ***. ما ناقصها غير الشوارب!».

3ـــ نبوءة الشيخ الأعمى
بدا سهل أريحا ممتداً بمروجه الخضراء، في ذلك اليوم المشمس من شهر أيار. عزفت فرقة موسيقى عسكرية لحناً احتفاءً بقدوم الملك. أخذ العاهل الأردني مكانه على أريكة في منصة واسعة أقيمت له، وأخذ يتأمل جنوده المصطفين في طوابير أمامه. كانت بزاتهم الرسمية أنيقة، وأسلحتهم في قبضاتهم لمّاعة. جلس الجنرال جون باغوت غلوب باشا قائد الجيش الأردني بجانب الملك، ووراءه اصطف أعضاده من الضباط البريطانيين المشرفين على الفيلق العربي الذي أنيطت بعهدته مهمة تحرير فلسطين من المغتصبين. التفت الملك نحو أحد رجال الدين الذين كانوا يرافقون الجيش لرفع معنوياته، وأمره بأن يلقي موعظة في النشامى. فوجئ الشيخ الضرير بمطلب الملك، فوقف على المنصة لكنه لم يجد ما يقوله لهذا الملأ. طال صمت الخطيب، والناس ينظرون إليه، وينتظرون خطبته. مرت دقائق من دون أن يتكلم الشيخ، فنهره الملك قائلاً: «انطق، قل شيئاً». التفت الرجل إلى الفيلق العربي، ثم صاح بأعلى صوته: «أيها الجيش، ليتك كنتَ لنا!». قام الملك عبد الله من مقعده كالملدوغ. وجعل يصرخ فيه: «يلعن دينك. عَمَى بعينيك، وعَمَى بقلبك!».

الهوامش:
1- نشر محضر شرطة الأزبكية عن وقائع قصة الجنرال إسماعيل صفوت باشا، في العدد 667، من مجلة «آخر ساعة» التي كان يرأس تحريرها، في ذلك الوقت، محمد حسنين هيكل. وأعاد هيكل نشر هذه الحادثة في الصفحة 250 من الجزء الأول من كتابه «المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل».
2- عبد الله التل، كتاب «كارثة فلسطين»، نشر «دار الهدى» المصرية (1959) ص 66- 67.