القدس المحتلة | عرّف العرب النّكبة الفلسطينية بأنها هزيمتهم في الحرب مع العصابات الصهيونية عام 1948، وقيام ما أصبح يسمى إسرائيل على أرض فلسطين، لكن الحاج عبد الفتاح عرفات يعرفها بأنها إجبار الجيوش العربية الفلسطينيين على هدم بيوتهم وبناء بيوت جديدة لليهود الذين قدموا لاستيطان في فلسطين من أنحاء المعمورة. ولا تزال ردود أفراد الجيش العراقي الذي جاء «مدافعاً» عن فلسطين في حرب 1948 تتردد في آذان الرجل الثمانيني، الذي يكبر عمر إسرائيل بعشر سنين، عندما يتذكر: «كلما استنجدنا بهم، ردوا بلهجتهم العراقية: «ماكو أوامر»... اجتاحت العصابات الصهيونية بلادنا ولم تعط أوامر بالتحرك للجنود الذين من المفترض أن يكونوا قد جاؤوا لنصرتنا». أما الجيش الأردني الذي كان يقاتل بسلاح منتهي الصلاحية، يضيف عرفات، فتلقى أفراده أوامر بالانسحاب، وسقطت فلسطين جميعها باستثناء الضفة وقطاع غزة، وقامت دولة إسرائيل، فيما ضُمّت الضفة بما فيها شرقي القدس إلى الأردن، أما غزة، فكان نصيبها أن تُضمّ إلى مصر.

هذه الأحداث تُقرأ بعين الحاج عرفات على أنها هدم فلسطين بيد العرب أنفسهم، لأنهم لم يكونوا جادين في الدفاع عن أرض هي جزء من الوطن العربي، ومن المفترض أنه كان يعد دولة واحدة بحكم القومية العربية واللغة المشتركة بين سكانه. قبل الحرب، كان عبد الفتاح يعيش في قرية البقعة غربي القدس المحتلة مع أسرته، وعندما بدأت الحرب، كان عمره 10 سنوات. عاشوا في بيت استأجره والده هناك، وكانوا يستعدون للانتقال إلى بيتهم الجديد الذي اشتروه في المنطقة نفسها بعد أن جمعوا ثمنه على مدار سنوات عدة ليتخلصوا أخيراً من عبء الاستئجار. لكن كعادتها، لم تسر رياح الفلسطيني كما تشتهي سفنه، إذ اضطرت العائلة إلى ترك بيتها الذي لم تسكنه بعد، وأيضاً ترك البيت المستأجر منتقلين للعيش في الأردن ريثما «تكنس الجيوش العربية اليهود بالمكانس إلى البحر، كما كان يقول زعماء العرب في تلك الأيام». ما حدث عكس ذلك، فقد «كنست» العصابات الصهيونية الجيوش العربية والفلسطينيين خارجاً، وبقيت متربعة في مكانهم، يقول عرفات.
بعد عام على مكوث عائلته في الأردن، قررت العودة إلى القدس، وبالأحرى ما تبقى من العاصمة، فسكنت في منطقة رأس العمود شرقي المسجد الأقصى، واستأنفت عملها في بيع القماش في محلها في البلدة القديمة التي كانت في ذلك الوقت تخضع للحكم الأردني. ولما قررت العائلة التوسع والتخلص من كلفة الاستئجار المرهقة والبناء في قرية بيت حنينا إلى الشمال من القدس، كانت الجيوش العربية تستعد لقرع طبول الحرب مع إسرائيل مجدداً، فوضعت العائلة حجر الأساس وشيدت المنزل على عجل، والمحزن المبكي أن اللمسات الأخيرة للبيت وضعت في الوقت نفسه الذي دخلت فيه الدبابات الإسرائيلية مغلفة بالأعلام الأردنية وصورة الملك حسين من غربي القدس إلى شرقيها.
«دخلت الدبابات وهي رافعة العلم الأردني، فأخذت الناس تستقبلهن بالورود والزغاريت، بعدما اعتقد الجميع أن العرب انتصروا على اليهود، لكن اليهود كانوا متنكرين، وعندما بدأ رئيس الجنود الذين اقتحموا بيت حنينا بإعطاء الأوامر باللغة العبرية، أدرك الناس المقلب، ونكسوا رؤوسهم وعادوا إلى بيوتهم»، يواصل الحاج عبد الفتاح.
بعد سيطرة إسرائيل على كامل فلسطين، بدأت الحكومة الإسرائيلية إحصاء المقدسيين وإعطاءهم هويات خاصة تحدد أنهم من سكان المدينة المحتلة، وهنا أصبح عبد الفتاح عرفات يحمل ثلاث وثائق ثبوتية تتبع لثلاث دول حكمت مكان مولده وهو لم يتجاوز 32 عاماً، إذ إنه ولد في 1935 فحمل «كوشان» بريطانياً، ثم نقل حكم شرقي القدس إلى الأردن عام 1948، فحمل جوازاً أردنياً (مؤقتاً)، ثم نقل الحكم إلى إسرائيل فحمل هوية (زرقاء) إسرائيلية. رغم تعدد وثائقه الثبوتية، فإنه كما غالبية المقدسيين لا يحمل حتى الآن أي جنسية كاملة، فالمقدسيون لا يُحسبون على أي دولة لأن وضعهم القانوني رمادي، إذ لا تستطيع إسرائيل فرض جنسيتها عليهم لأن القدس في القانون الدولي «منطقة محتلة»، ولا تستطيع السلطة الفلسطينية إعطاءهم جوازها لأنهم يسكنون في منطقة خارج نفوذها، وبطبيعة الحال الأردن.
واليوم يبلغ الحاج عبد الفتاح 82 عاماً، فيما يرى إسرائيل وهي تحتفل باستقلالها السبعين «فرحة» رغم أنها كبرت بين شعوب تكرهها، لأن حكومات المنطقة الخائنة تحبها. ويرى الرجل أن الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات كان أول رئيس عربي يسقط في لعبة التسوية ليجر وراءه صفوفاً من الحكام العرب الذين سقطوا تباعاً حتى أصبح الولاء لإسرائيل مفخرة لهم، وصارت تل أبيب الحليف الرئيسي لبعضهم، مشيراً إلى دول الخليج. ويقول: «السعودية ترى إسرائيل حليفها ضد عدوتها إيران، والبحرين ترى أن من حق اليهود أن يكون لهم دولة على أرض فلسطين كما ترى أن من حق الجنود الإسرائيليين تصفية الفلسطيني إذا حاول الدفاع عن أرضه، أما الإمارات فتشتري بيوت المقدسيين لخدمة أغراض استيطانية، وتساهم في رعاية مارثون تطبيعي للدراجات الهوائية استضافته إسرائيل للاحتفال باستقلالها السبعين... الظاهر كلّ ما إسرائيل بتكبر، بيحبوها العرب أكثر».