الجزائر | تلك القرارات المشار إليها، بعضهم قرأها على أنّها تطوّر طبيعي لمسار تعامل الدولة مع ملف الهوية، سوف يدفع إلى مزيد من التلاحم بين مكونات المجتمع ويوفر شروط تجاوز أحد أكبر ما يهدد انسجامها. وقرأتها المعارضة السياسية على أنّها مكرمة من المكرمات التي تجود بها السلطة عند كل محطة انتخابية تمهيداً لفترة رئاسية خامسة لفريق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. فيما يرى «الأوفياء» للعروبة أنّها انتقاص من قيمة ومكانة اللغة العربية بأن خلقت لها «ضرةً» اصطناعية خرجت من مخبر السياسة لإبعاد الجزائر عن عمقها العربي الاسلامي.

هذه الاتجاهات الثلاثة موجودة في ساحة النقاش حالياً، تتبارى في شكل غير مسبوق على الصحف وقنوات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، وفي الجامعة والمدرسة، ويُقدّم كل منها ما عنده من حجج لدحض رأي الآخر. النقاش يكبر ككرة الثلج كل يوم ويفرز تشنجات جديدة وعصبيات جديدة واصطفافات جديدة، تغذّيها جيوش المتحمسين المتعصبين من المتعلمين النشطين في الحقلين السياسي والإعلامي على الخصوص. بينما عامة الناس لا يستهويهم النقاش، ولا هم حتى يتابعون ما يجري بدليل أنّ عائلات مختلطة جديدة تتأسس كل يوم.
بصرف النظر عن زاوية قراءة الحدث، فإنّ خطاب المعارضين لترقية اللغة الأمازيغية ـــ لغة الجزائريين الأصلية ـــ تراجع خطوات أخرى هذه الأيام بعد الأمر الواقع الذي فرضته هذه القرارات بتكريسها لغة رسمية في الدستور وتعميم تدريسها في كامل مناطق البلاد وتأسيس أكاديمية لتطويرها، تعمل تحت الإشراف المباشر لرئاسة الجمهورية. وهو ما يراه المتفائلون مؤشراً مُهماً يُعطي الانطباع بأنّ هذه «الحرب» تقترب من نهايتها وسيستتب الأمر تماماً بأجيال جديدة تنشأ متناغمة مع هذا الواقع. وتجلى هذا التراجع في التحوّل من رفض مبدئي كرسه تركيب ذهني مبني على ثنائية مصدر الهوية (الإسلام والعربية) كما تشير إليه مواثيق ودساتير البلاد المتعاقبة، إلى خلاف يمكن اعتباره تقنياً يتعلق بطريقة التعبير الكتابي عنها. فقد باشرت أوساط من الإسلاميين و«العروبيين» العمل على تعبئة رأي عام يدفع إلى اعتماد الحرف العربي لكتابة اللغة الأمازيغية في المدرسة بداعي الحفاظ على انسجام الأمة الجزائرية وتبعت هذا الاتجاه أطراف من أمازيغ شرق البلاد (الشاوية) الذين استعادوا روح لغتهم في السنوات الأخيرة بفضل جيل جديد نشأ على معارضة النظام والتقرّب من المتمردين دائماً في منطقة القبائل. وانضمت الى قافلة «المهادنين» حتى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تعمل منذ تأسيسها عام 1931 بشعار «الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا»، وعملت عشرات من المدارس التي أسستها في العقود الثلاثة الأخيرة من فترة الاحتلال على ترسيخ هذا الشعار من خلال التوجه العام للتعليم فيها. ولما نشأت الحركة البربرية وصارت نشطة، عارضتها بشدة واعتبرتها تهديداً لوحدة الأمة ومسخاً لثوابتها. لكن بعد اتخاذ القرارات الرئاسية ليّنت خطابها وتراجعت وصارت تطالب فقط بأن تُدرّس الأمازيغية بالحرف العربي حتى يكون هناك انسجام وحتى تكون اللغتان سنداً لبعضهما. وجنح إلى هذا الموقف أيضاً الدكتور عثمان سعدي، وهو رئيس اللجنة الوطنية للدفاع عن اللغة العربية والسفير الجزائري الأسبق لدى بغداد وهو قائد تيار يُعارض أي تعاط إيجابي مع الأمازيغية، بل ينفي وجود الأمازيغ كـ«جنس» قائم بذاته أصلاً وأسس «نظرية» سار عليها كثيرون مفادها بأنّ سكان شمال أفريقيا عرب من أصول يمنية أو فينيقية وقد نزحوا إلى تلك الأرض وأقاموا بها لقرون قبل الفتح الإسلامي.
تعود أولى بذور «حرب الهوية» هذه إلى عام 1949 حين قرر «حزب الشعب»، وهو أكبر أحزاب البلاد زمن الاحتلال، تبني الكفاح المسلح وأسس منظمة خاصة شبه عسكرية لتحضير حرب الاستقلال. وفي سياق التحضيرات، شكّل زعيم الحزب مصالي الحاج، فريق عمل عكف على صياغة بيان عام أو مشروع دستور يُحدد ملامح جزائر المستقبل، أي الجزائر التي يُحارب من أجلها المنخرطون في معركة التحرير. وتضمنت الوثيقة بنداً حدد عنصرين كتركيبة للهوية الوطنية: الدين الإسلامي واللغة العربية. وخلال اجتماع مناقشة النص والتصديق عليه، نبّه عدد من كوادر الحزب الذين ينتمون إلى منطقة القبائل التي يتحدث سكانها الأمازيغية، إلى أنّ هذا البند فيه خطأ ويتعيّن إعادة صياغته وفق ثلاثة أبعاد: الإسلام والعربية والأمازيغية على اعتبار أنّ المقاتلين الذين سيحاربون فرنسا يوجد بينهم عرب وأمازيغ وأنّ البلد الذي ستجري حوله الحرب كان موجوداً في شكل مملكات متعاقبة عبر التاريخ بنيت وحاربت الرومان والبزنطيين والوندال والقرطاجيين وكان لها ملوك وأبطال وكُتاب وفلاسفة في عهد سبق حضور الإسلام والعربية بقرون. تعصب الزعيم ورفض تعديل النص، فطلب المحتجون حذف البند تماماً حتى لا تبنى حرب الاستقلال على بيان يزيّف التاريخ، فتعمّق الخلاف في قيادة الحزب ووقعت اضطرابات كبيرة أسفرت عن مغادرة عدد كبير من تلك الكوادر إلى أحزاب أخرى، خصوصاً الحزب الشيوعي، وإلى إقالة حسين آيت أحمد عن منصب القائد العام للجناح المسلح «المنظمة الخاصة» كونه من منطقة القبائل وعُيِّن محله أحمد بن بلة (مع أنّه أقل رتبة وخبرة) لأنه ينحدر من نفس منطقة زعيم الحزب تلمسان. كان ذلك الحدث فاصلاً وفريداً من نوعه وبداية فتنة «لغوية» لم يسبق لها مثيل، وستكون هذه الاضطرابات السبب الرئيس الذي عطّل الثورة إلى عام 1954 وفي ظروف حرجة جداً ميّزها بخاصة خروج نخبة من الشباب عن طاعة الزعيم مصالي وتفجير الثورة خارج إرادته.
ومع أنّ زعامة مصالي سقطت تاريخياً عام 1954 حين تأخر عن المشاركة في حرب الاستقلال، بل عارضها وقاومها بالسلاح لإجهاضها، فإنّ روحه ظلّت موجودة في مواثيق وكل نسخ الدستور الجزائري منذ الاستقلال في ما يخص التعاطي مع الهوية الوطنية... إلى أن بدأ علاج الأمر بجدية على جرعات، بدايةً من عام 1996 حين تضمنت ديباجة (مقدمة) دستور جديد في عهد الرئيس اليمين زروال للمرة الأولى البعد الأمازيغي للهوية الجزائرية، وجاءت هذه الخطوة على إثر إضراب عام عن الدراسة شنّه طلاب وأساتذة المناطق الناطقة بـ«القبائلية» (ولايات تيزي وزو وبجاية وأجزاء واسعة من سطيف والبرج والبويرة وبومرداس) سُمّي «إضراب المحفظة». ورفض الطلاب الدراسة بالعربية ما لم يعترف النظام بلغتهم كرفيق لها. وفي عام 2001 صوّت البرلمان الجزائري بالإيجاب على مادة دستورية جديدة عرضها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تجعل الأمازيغية لغة وطنية ثانية إلى جانب العربية. وتفاعلت المؤسسات وقطاع واسع من المجتمع إيجاباً مع القرار، خصوصاً أنّه جاء في وقت التهاب تلك المنطقة غضباً بعد قتل مجند من سلك الدرك الوطني (عمداً) طالباً يحمل اسم ملك البربر القديم ماسينيسا، فيما بدا أنه استفزاز لإثارة الشغب وسقط في أحداث عنف دامت شهوراً نحو 130 شخصاً من سكان المنطقة برصاص قوى الأمن. وفي التعديل الدستوري للعام الماضي، صارت الأمازيغية «لغة رسمية» ثانية، بعد تظاهرات عارمة في مدن عدة وصارت كل القوانين والقرارات تصدر باللغتين. وباستكمال الجوانب القانونية لنشر اللغة الأمازيغية، فتحت الأبواب للمرة الأولى في التاريخ لتطويرها وتحويلها إلى لغة تعليم وإبداع، بعدما كانت لغة كلام لا لغة تدوين. ولقد كتب الأمازيغ دائماً بلغات غيرهم. كان الملوك والأدباء والكهنة يكتبون باللاتينية و«الفينيقية». وبعد مجيء العرب حلت العربية محل اللغات الأوروبية وصارت اللغة المستعملة في المراسلات والتعليم والتوثيق. لهذا يطرح اليوم موضوع الحرف الذي تكتب به، وقد تنتهي النقاشات إلى مرحلة انتقالية تدرّس فيها بالحروف الثلاثة: بحرف «تيفيناغ» في منطقة الطوارق بالصحراء كون هذا الحرف مستخدم ومتوارث عبر الأجيال وتكتب به الرسائل حالياً بينهم، وتُكتب بالحرف اللاتيني في منطقة القبائل، خصوصاً أنّ عدداً كبيراً من الكتاب ألف كتابة روايات وكتب أدبية واجتماعية بهذه اللغة، وستُدرّس في منطقة الأوراس بالعربي بالنظر لظروف تاريخية عرّبت نسبة كبيرة من السكان، خصوصاً في المدن الكبيرة. وهذه الصيغة معمول بها في قنوات الراديو والتلفزيون حيث يكتب الصحافيون تقاريرهم بالحرف الذي يختارون. أما على المستوى الرسمي، فقد اختارت المؤسسات حرف «تيفيناغ» وستصدر به نسخة من الجريدة الرسمية كون كل القوانين والنصوص ستصدر باللغتين. وتأسس قسم أمازيغي في وكالة الأنباء الجزائرية يستخدم هذا الحرف، كما استخدم للمرة الأولى خارج الجزائر على لافتة جناح الجزائر في معرض الاسكندرية الدولي للكتاب في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي.