تُمثِّل مدينة درنة المحاصرة منذ ما يقارب العامين، آخر المدن الكبرى الخارجة عن سيطرة حفتر العسكريّة في شرق البلاد، فيما يتجاوز إخضاعها الرهانات المحليّة، حيث تشارك في قصفها طائرات مصريّة وإماراتيّة.

أول من أمس، أعلنت «شعبة الإعلام الحربيّ» التابعة لجيش حفتر سيطرتها على «محور الحلة» (جنوب المدينة)، والتقدم في «محور مرتوبة ـــ الفتائح» (شرق المدينة). كما أعلنت أسر عدد من المقاتلين، بينهم القياديّ عبد الملك المنصور، وعدد «من الأجانب، بينهم مقاتل أفغانيّ». ومن جهتها أعلنت «قوّة حماية درنة» قتل ستّة من أفراد قوات حفتر، وسقوط خمسة من مقاتليها بعد استهدافهم بـ«غارة نفذتها طائرة إماراتيّة» (نشرت أوّل من أمس فيديو يظهر طائرة مسيّرة صينيّة الصنع من طراز «وينغ لونغ» وهي تحوم فوق المدينة، فيما رصد حساب على موقع «تويتر» مختصّ في تتبع حركة الطيران العسكريّ دخول طائرة «بيتشكرافت 350» إماراتيّة إلى شرق ليبيا، آتية من مصر).
لكن على رغم هذا التقدّم النسبيّ، لم يحصل أمس تقدّم يُذكر في محاور القتال، حيث أعلنت وسائل إعلام قريبة من سلطة شرق البلاد ارتفاع عدد قتلى قوات حفتر إلى 12 يضاف إليها عدد آخر من الجرحى، على رغم إرسال تعزيزات إضافيّة. كما لم تنشر أمس «شعبة الإعلام الحربيّ» صوراً أو شرائط لعملياتها، وذلك على غير عادتها في المدة الماضية، حيث دأبت على نشر تسجيلات تظهر هجماتها وعتادها الذي يشمل عدداً كبيراً من راجمات الصواريخ والدبابات.
في حديث إلى «الأخبار»، يقول الباحث جلال حرشاوي، إنّه إلى حدود الآن «لا يمكن الحديث عن تقدّم، فذلك يعني الاقتراب من تحرير درنة بالكامل». وتعليقاً على «بوادر تقدّم العمليّة»، يشير حرشاوي إلى أنّ «الجيش الوطنيّ الليبيّ (قوات حفتر) ومسانديه لديهم إمكانات هائلة، لكن الأمر يرتبط بسؤال: ما الذي سيحصل لاحقاً؟». في هذا الصدد، هو يرى أنّ الأمر لا يزال بعيداً من الحسم، إذ إنّ «ما يحصل عادة هو تراجع المتمردين وتمركزهم في مناطق يتكثّف فيها وجود المدنيّين الذين يُمنعون أحياناً من الهرب ويُستخدمون كدروع»، ويذكّر بأنّ «هذه التقدمات تحصل منذ السابع من هذا الشهر، ولا تعني أنّ السلام قريب، حيث يُمكن أن تمتدّ الحرب المدينية لأشهر طويلة».

دخلت الشرق الليبي طائرة «بيتشكرافت 350» إماراتيّة، آتية من مصر


في الجهة المقابلة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ إحدى تطورات المعركة التي بدأت في مطلع هذا الشهر تمثّلت في تأسيس «قوّة حماية درنة»، حيث أُعلن عن إنشائها يوم الجمعة الماضي بعد حلّ «مجلس شورى مجاهدي درنة وضواحيها» لنفسه. وقال عطيّة الشاعري، قائد «القوّة»، في مؤتمر صحافيّ، إنّها تجمع أيضاً متطوعين من شباب درنة تقدموا «لحماية مدينتهم». واعتبر عبد المنعم الغيثي، وهو «عميد بلديّة درنة» المُعيّن من قبل حكومة عبد الله الثني غير المعترف بها دوليّاً، إنّ تغيير التسمية جاء بإيعاز من محمد العماري، عضو «المجلس الرئاسيّ» الذي يترأسه فائز السراج.
ويرى الغيثي أنّ الهدف من وراء ذلك هو إصباغ «شكل قانونيّ» على المجموعة، يؤدي إلى تحصيلها الدعم بالمال والسلاح من حكومة الوفاق المتمركزة في العاصمة طرابلس. ويعتبر جلال حرشاوي أنّه لا يمكن استبعاد هذا التأويل، لكنّه يشير في الوقت نفسه إلى تأويل آخر محتمل، وهو «إعادة تشكيل وخلط مختلف أصناف الإسلاميّين داخل درنة وجمعهم بأصناف أخرى من المتطوّعين»، ما يعني «خلق صورة لقوّة جديدة مُكرّسة أساساً لحماية المدنيّين». ومن الجدير بالذكر، أنّ أحد أسباب تشبّث جزء من سكان المدينة بمقاومة محاولات قوات حفتر لإخضاعها هو خشيتهم من وقوع عمليّات تهجير وانتقام قبليّ بسبب الأضغان المتولدة عن عدد من الحوادث التي جدت في الأعوام الماضية (وهي مخاوف تكرّست في مناطق أخرى من البلاد، منها مدينة تاورغاء التي لا يزال أهلها مُهجّرين إلى الآن).
من جهته، اعتبر خالد المشري، أمس، وهو رئيس «المجلس الأعلى للدولة» (هيئة استشاريّة تولدت عن اتفاق الصخيرات السياسيّ)، أنّ «ما يحصل في درنة غير مقبول»، لافتاً إلى أنّ «الخاسر الأكبر هم الليبيّون، كما أنّ الضحايا في العادة هم الأطفال». وقال المشري إنّه تحدث مع المبعوث الدوليّ غسان سلامة، وطلب منه «التواصل مع سفراء الدول العظمى، واستجاب فعلاً وذهب للقاء السفير الروسيّ والسعوديّ والقائمة بأعمال السفارة الأميركيّة، وكانت الوعود كلها مطمئنة بأنّهم يسعون لوقف إطلاق النار»، مضيفاً أنّ نتيجة الحوارات التي شملت أيضاً أعياناً ومشايخ من المنطقة الشرقيّة، «أثمرت في البداية، حيث تمّ إيقاف العمليّة في اليوم الأوّل، لكن حدث (لاحقاً) تطوّر سلبيّ».
وتحاصر قوّات خلفية حفتر مدينة درنة منذ ما يقارب عامين تحضيراً لاقتحامها الذي تأخّر لظروف كثيرة، منها معارضة عدد من القبائل المهمّة في الشرق. وقد بدأ الحصار بعد مدة قصيرة من طرد «مجلس شورى مجاهدي درنة وضواحيها» لتنظيم «داعش» من المدينة التي قصفتها مصر أيضاً بعد قتل «داعش» لواحد وعشرين مصريّاً في مدينة سرت قبل نحو ثلاثة أعوام، وجددت استهدافها بعد ذلك عدة مرات، سواء على نحو معلن أو كجزء من دعمها لجهود حفتر العسكريّة.