تثير «الزوبعة» التركية التي لا تفتأ تتجدّد كلما اندلعت جولة من جولات العنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة اغتياظاً سعودياً يتجلى واضحاً في تعاطي المملكة وحلفائها مع الأحداث الأخيرة في القدس وغزة. وعلى رغم أن تحركات تركيا في مثل هذه الأحداث باتت أشبه بسيناريو محفوظ يُعاد تكراره كل مرة، وكذلك على رغم أن أنقرة لا تفارق في ردود فعلها في شأن القضية الفلسطينية هامش المناورة الذي تستطيع الظهور من خلاله في مظهر «قائد الأمة»، إلا أنه ها هنا تحديداً تكمن الحساسية السعودية إزاء الأتراك. حساسية اندفعت الرياض بفعلها، اليوم، إلى اتخاذ خطوات سياسية ودبلوماسية على سبيل المناكفة، في محاولة لقطع الطريق أمام أنقرة التي تستدعي خطواتها، على تواضعها وطابعها الاستعراضي، ردوداً مُرحِّبةً في العالمَين العربي والإسلامي.

وقبيل يوم واحد من انعقاد قمة استثنائية لـ«منظمة التعاون الإسلامي» يُفترض أن يشارك فيها زعماء دول من بينهم الرئيس الإيراني حسن روحاني، انعقد في العاصمة المصرية القاهرة اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية بدعوة من السعودية. وأعاد وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع، ترداد تصريحات الملك سلمان بن عبد العزيز عن أن «القضية الفلسطينية هي قضية المملكة الأولى»، وأن السعودية «لن تتوانى عن دعم الفلسطينيين لاستعادة حقوقهم المشروعة». وفي محاولة لتخليص المملكة من الصيت «التطبيعي» الذي يلاحقها، والذي بلغ حد تغطية وكالات الأنباء العالمية «الصمت» السعودي والخليجي على خطوة نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، قال الجبير إن «تاريخ المملكة واضح جداً حيال دعم القضية الفلسطينية... موقف المملكة في شأن القضية الفلسطينية ثابت لن يتغير».

يحضر زعماء دول عربية وإسلامية قمة اسطنبول اليوم


على أن الأهمّ في تصريحات الجبير هو قوله إن «اجتماع اليوم تركّز حول كيفية تحويل القرارات إلى مبادرات»، وإعلانه عن «خطة تحرك استراتيجي لمواجهة القرار الأميركي في شأن القدس»، بما يوحي بأن ثمة خطوات جادة وحقيقية سيتم اتخاذها في هذا الإطار، قبل أن يخرج الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، ليعلن أن الاجتماع لم «يتمخّض» إلا عن قرار بالتوجه إلى مجلس الأمن للمطالبة بلجنة تحقيق في أحداث غزة، ومن ثم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في حال استعمال الولايات المتحدة حق النقض «الفيتو» داخل المجلس. قرارٌ تمّ حصره، خلافاً لما ادّعاه الجبير، بـ«الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين»، والتي أغدق الوزير السعودي ومعه أبو الغيط الكثير من الإنشاء في شأنها، ما يعني أن ليس هناك قرار ذو طابع سياسي سيُشهر في وجه قيام الولايات المتحدة بنقل سفارتها إلى القدس، في خطوة بدا مستغرباً تشديد الرجلين وإلى جانبهما وزير الخارجية المصري سامح شكري على أن «لا أثر قانونياً لها»، متغافلين عن آثارها العملية على الوضع في القدس المحتلة. حتى مقترح استدعاء السفراء العرب في واشنطن ظلّ مقترحاً يردّده بخجل وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، معتبراً أن «ليس هناك من ضير فيه». أما الإمارات، التي لم يجد وزير خارجيتها، عبد الله بن زايد، متسعاً لحضور الاجتماع، فاكتفت بالدعوة، على لسان وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش، إلى «تحقيق دولي في شأن مجزرة غزة»، والمطالبة بـ«تدخل أممي عاجل لحماية الفلسطينيين»، بعدما أعلنت، في اليوم نفسه الذي افتُتحت فيه السفارة الأميركية الجديدة، «توفير أدوية عاجلة ومواد طبية» للجرحى الفلسطينيين.
بالنتيجة، تبدو قرارات اجتماع القاهرة امتداداً لما أسفرت عنه القمة العربية التي انعقدت في مدينة الظهران السعودية في نيسان/ أبريل الماضي، والتي أسبغ عليها ملك السعودية تسمية «قمة القدس»، معلِناً تقديم 200 مليون دولار للفلسطينيين. وما يؤكد سمة «النكاية» في خطوة الجامعة العربية أمس، هو ترافقها مع حملة إعلامية سعودية محمومة على تركيا، تصف مواقفها بـ«المزايدة» و«المتاجرة» و«الاستغلال السياسي الرخيص»، وتدافع عن سياسات المملكة بادعاء أنها «قائمة على الأفعال قبل الأقوال»، في قبالة أداء قطري مسانِد لخطوات أنقرة، ومبالِغ في تقدير مفاعليها، ومجاهِرٍ بتحميل السعودية وحلفائها مسؤولية ما تشهده الأراضي المحتلة، كما جاء على لسان رئيس الوزراء القطري السابق، حمد بن جاسم، الذي رأى، في تغريدات قبل أيام، أن «كل البيانات التي تصدر هي رفع عتب، ولكنهم للأسف شركاء في كل ما يجري»، معتبراً أن «صفقة القرن تُنفّذ خطوة خطوة بدعم وتأييد دول عربية». وما بين المعسكرين، تقف الكويت التي لا تزال محافِظة على رفضها الانخراط في جهود الرياض وأبو ظبي والمنامة «التطبيعية»، محاوِلةً عبر العمل الدبلوماسي إحداث خرق في جدار التقاعس العربي عن إغاثة الفلسطينيين. ولعلّه من المثير للانتباه، في هذا الصدد، أن يترأس أمير الكويت، صباح الأحمد الجابر الصباح، وفد بلاده إلى قمة اسطنبول اليوم، في خطوة من شأنها تحريك «النعرة» السعودية، تماماً كما فعلت مشاركة الملك الأردني، عبد الله الثاني، في القمة المماثلة التي انعقدت عقب إعلان ترامب قراره في شأن القدس.