الرباط | في الساعات الأخيرة، كان مدونون مغربيون يصفون المسيرة التي دعا إليها «حزب العدالة والتنمية» يوم الأحد الماضي، للتضامن مع الشعب الفلسطيني لمناسبة حلول الذكرى السنوية للنكبة، بأنّها «حادثة سير». سبب الوصف، يُعزى إلى العدد القليل من المتظاهرين الذين حلّوا صباح ذلك اليوم في شارع محمد الخامس بالعاصمة الرباط، ملبّين نداءات ملحّة في مواقع التواصل الاجتماعي لما بات يُعرف بـ«الفيالق الإلكترونية لحزب العدالة والتنمية»، وبالتالي ظهر المشهد أقرب إلى احتشاد العامة حول حادثة سير، وبعيداً عن تظاهرة تضامنية قومية كبيرة.

تشارك الناشطون والمدونون عدة تسجيلات مصوّرة وصوراً تُظهر بوضوح العدد الهزيل للمشاركين في تلك التظاهرة. لكن ثمة معطيات سياسية كثيرة متوافرة تحيلُ على أنّ وصف «حادثة سير» لا ينحصر في جانبه الساخر، بل يطاول أيضاً جانباً رمزياً ببُعد سياسي.
يعتمد «حزب العدالة والتنمية» في وجوده بالأساس، على حجم انتشاره الانتخابي، مستنداً إلى أرضية أيديولوجية صلبة تتمثل في الدين، وهو ما خوّله تحقيق مكاسب انتخابية مذهلة. فقد حلّ أول في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ليتسلم رئاسة الحكومة للمرة الثانية على التوالي منذ عام 2011، وهو تاريخ إجراء أول انتخابات تشريعية أطّرها دستور جديد كان قد جرى التصويت عليه في السنة نفسها.
صحيح أن تولي «العدالة والتنمية» رئاسة الحكومة في حينه، يجد أسبابه في التحولات السياسية المرتبطة بظروف «الربيع العربي»، غير أنّ هذا لا ينفي حجم تمثيله الاجتماعي والانتخابي في أوساط شرائح المجتمع المغربي، حتى بات في ظرف نحو ربع قرن بعد تأسيسه رقماً حزبياً كبيراً في المشهد السياسي بالبلاد.
ولأن محور النظام السياسي المغربي «ملكي دستوري» يتبوأ فيه الملك رئاسة الدولة، فقد كان حتمياً أن تتشكل عناصر صراع صاخبة، لكن بصمت بين الملكية و«العدالة والتنمية» حول الرقعة الاجتماعية والانتخابية، وهو الصراع الذي عكسته بنوع من الحدّة المُتحكَّم فيها أجواء الحملة الانتخابية التشريعية الأخيرة. وصل الأمر حدّ تنظيم جهة نُعتت بأنّها «مقرّبة من الدولة» تظاهرة في مدينة الدار البيضاء تحت شعار «لا لأخونة الدولة»، في إشارة إلى الاكتساح الانتخابي لـ«حزب العدالة والتنمية».
وهذا ما حدث فعلاً، إذ فاز الحزب الإسلامي المغربي الذي يوصف بـ«المعتدل» بأغلب المقاعد البرلمانية، متجاوزاً «حزب الأصالة والمعاصرة» الذي حلّ ثانياً، وهو يُنعتُ بأنّه «مقرّب من الدوائر العليا». بيد أنّ هذا الفوز اصطدم بصعوبات تشكيل ائتلاف حكومي، ما جعل الملك محمد السادس، يتخلى عن عبد الإله بنكيران، ويُعيّن مكانه سعد الدين العثماني، الذي ينتمي إلى الحزب نفسه، أي «العدالة والتنمية».
عن المشهد السياسي والحكومي المغربي، يقول العديد من المراقبين المحايدين إنّ إحدى كفتيه تميل بقوّة تحت ثقل نفوذ الملك ومحيطه، وإنّ رئاسة الحكومة تتصرف في هامش تدبير ضيّق برغم الصلاحيات المهمة التي نص عليها دستور 2011، ويُعزون الأسباب إلى ما توارثه المشهد العام من عناصر قوّة رمزية وتنفيذية للنظام الملكي منذ ما يزيد على أربعة قرون على الأقل، فضلاً عن أنّ التجربة الحزبية (التعددية السياسية) والدستورية لا تتعدى نحو 62 عاماً، منذ استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي.
بسبب هذه الخلفية السياسية التاريخية، يجد «العدالة والتنمية» نفسه اليوم في الوضعية المعقدة نفسها التي مرّت بها أحزاب المعارضة اليمينية واليسارية التاريخية، متمثلة في حزَبَي «الاستقلال» و«الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، اللذين تحولا بعد صراع مع النظام الملكي إلى رقمين انتخابيين عاديين جداً، وذلك بعدما تصدّرا المشهد السياسي والانتخابي منذ إجراء أول انتخابات تشريعية عام 1963 حتى نهاية القرن العشرين.

ثمة نقاشٌ حاد بين جناحين داخل قيادة «حزب العدالة والتنمية»


حزبا «الاستقلال» و«الاتحاد الاشتراكي» استندا إلى المشروعية التاريخية باعتبارهما متجذرين في رحم الحركة الوطنية التي تأسست في قلب المرحلة الاستعمارية، ولا سيما بالنسبة إلى الأول، فيما تزوّج الثاني أيضاً الإيديولوجية الاشتراكية، وهما اليوم في حالة انحسار سياسي وانتخابي متقدّم بسبب عناصر صراع سياسي وانتخابي مع النظام الملكي، تحوّل إلى «تناوب توافقي» تمثّل في تجربة حكومة التناوب بموجب اتفاق بين الملك الراحل الحسن الثاني والكاتب الأول لـ«حزب الاتحاد الاشتراكي» عبد الرحمن اليوسفي.
أما «العدالة والتنمية»، فهو يستمد مشروعية وجوده بالدرجة الأولى من المكوّن الديني، وهو تجذرٌ يضعه في قلب صراع محتدم مع النظام الملكي، ليس لأسباب سياسية وانتخابية فحسب، بل لأسباب سياسية ودينية أيضاً، إذ تُشكّل «إمارة المؤمنين» أُسَّ النظام المغربي.
وليس خافياً أنّ ثمة عناصر جديدة ضمن هذا الصراع، يعكسها نقاشٌ لا يني يحتد بين تيارين أو جناحين بالأحرى، داخل قيادة «العدالة والتنمية». الأول يتمحور حول الأمين العام السابق ورئيس الحكومة سابقاً عبد الإله بنكيران، والثاني يُجسده الأمين العام ورئيس الحكومة حالياً سعد الدين العثماني، ومَن يلف لفه. الجناح الأول يرى أن الحزب بصدد دفع ثمن باهظ من صدقيته السياسية بين قاعدته الانتخابية العريضة بسبب التنازلات التي أقدم عليها في أكثر من ظرف سياسي واجتماعي، بينما يرى الثاني أنّه «ليس أبدع مما كان» (وهي عبارة للإمام الغزالي، وتعني أنّ ما كان جاء على أحسن ما يكون) وأنّ «الأمور على خير ما يرام... والحزب بصدد استكمال ورشة الإصلاح التي بدأها منذ سبع سنوات».
ويبدو جلياً أن أصوات الجناح الأول الذي يُنعت قادته بـ«الصقور» داخل «الأمانة العامة»، وهي أعلى جهاز تنفيذي في «العدالة والتنمية»، باتت تعلو على أصوات الجناح الثاني، ولا سيما في الآونة الأخيرة حيث استجدت أحداثٌ تصدّرت المشهدين السياسي والاجتماعي بالمغرب، وعلى رأسها حملة «مقاطعون» التي عرفت نجاحاً منقطع النظير نوعاً وحجماً، وخلاصتها تنظيم عملية مقاطعة لثلاثة منتجات استهلاكية... ورغم نجاح هذه الحملة على نحو واسع، وصل حد تسجيل خسائر كبيرة من طرف الشركات الثلاث المُستهدفة، فإنّ النخبة السياسية، الحكومية والحزبية، انقسمت بشأنها بين مؤيد ورافض، وكان من سوء تقدير الجناح المحسوب على الأمين العام ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني، أنه ندد بحملة «مقاطعون» وعدّها تصرفاً أرعن ألحق أفدح الأضرار بالاقتصاد المغربي، بل وصل الأمر إلى أنّ أحد أبرز المحسوبين على هذا التيار، وهو الوزير المتحدث باسم الحكومة مصطفى الخلفي، توعّد مَن سمّاهم «المروّجين لأخبار زائفة تحضّ على المقاطعة» بالمتابعة القضائية، ما أثار موجة سخط عارمة بين مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي ضد الحكومة، وجرّ في أثر ذلك انتقادات لقياديين في «العدالة والتنمية».
ضمن هذه الأجواء المحتدة، قررت قيادة «العدالة والتنمية» تنظيم مسيرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني في ذكرى يوم النكبة، أسفرت عن التعريض الساخر، ما منح انطباعاً وجيهاً مفاده أنّ الشعب قدّم جوابه السلبي إزاء أداء هذا الحزب حكومياً، وإزاء مواقفه من أهم القضايا الشعبية (ولا سيما حملة «مقاطعون»)، وجعل كثيرين يطرحون الفرضية الآتية: إنّ «حزب العدالة والتنمية» بصدد فقدان أهم ركيزة قامت عليها نجاحاته، وهي الصدقية. فإلى أيّ حد يُعَدّ ذلك صحيحاً؟ الواقع أنّ هذه الفرضية تقوم على تقدير ظرفي، لا على تحليل دقيق، لأنّ انتشار «العدالة والتنمية» بين شرائح واسعة من المجتمع المغربي يقوم على عنصر الدين وليس السياسة، ولأن هذه الأخيرة متحولة، بينما الأول ثابت، فإنه يصعب الجزم بانحسار سياسي وانتخابي لهذا الحزب.



بنكيران بدلاً من العثماني؟
الظروف السياسية العصيبة التي يُواجهها «العدالة والتنمية» توشك أن تعصف بتجربته الحكومية، وتطال حتى تنظيمه الحزبي. الأسباب توجد في ترتيبات ما بعد تشكيل الحكومة الحالية التي أطاحت عبد الإله بنكيران (الصورة) وأتت بسعد الدين العثماني على رأسها، وأيضاً في تعقيدات التدبير الحكومي والحزبي التي كشفت فراغاً يتعاظم وبات يُطرح بحدّة أكثر في التنظيمات القيادية والشعبية لهذا الحزب.
ما زاد الأمر تعقيداً أنّ حملة مقاطعة المنتجات الاستهلاكية التي استأثرت باهتمام الرأي العام المغربي، هي الآن في صلب الجدل المحموم الدائر بين فرقاء قيادة الحزب «الإخواني» المغربي، وذلك بسبب ما يسميه المعترضون «سوء تدبير ظرفيةٍ اجتماعية كبيرة»، الأمر الذي أذكى الخلافات ووصل الى حدّ المطالبة بعودة عبد الإله بنكيران إلى قيادة الحزب والحكومة ورحيل سعد الدين العثماني عنهما.