بلغة الأرقام، ثمة حديث يدور في مصر وخارجها عن نجاحات بدأت تحققها الخطة الاقتصادية للرئيس عبد الفتاح السيسي. هذا الحديث لم يعد يقتصر على جوقة المدافعين في الداخل، بل صار يتردد على لسان المحللين الاقتصاديين الغربيين، وتعززه بعض الأرقام «الإيجابية»، ومن بينها بلوغ الاحتياطي النقدي من العملات الاجنبية في المصرف المركزي 44 مليار دولار، وهو من بين العوامل التي دفعت باتجاه رفع التصنيف الائتماني السيادي لمصر.

أما على أرض الواقع، فالأمر مختلف، فالأزمات المعيشية تتفاقم، وآخر فصولها «أزمة المترو» التي أثارت احتجاجات عفوية منذ رفع أسعار التذاكر الأسبوع الماضي، فضلاً عن الارتفاع المستمر في أسعار السلع الاستهلاكية، نتيجة للإجراءات التي تراها الحكومة المصرية ضرورية من أجل استكمال الخطة الاقتصادية.
44 مليار دولار هو حجم الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية في البنك المركزي المصري حالياً، وفق ما أعلن محافظه طارق عامر، الذي وُصف بأنه أعلى رقم يُسجَّل في تاريخ المصرف.
هذا الإعلان تزامن مع الكشف عن استهداف مشروع الموازنة العامة لعام 2018/2019 تحقيق فائض أوّلي بنسبة 0.2 في المئة، وفق ما أعلن وزير المال عمرو الجارحي، أمام لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب.
في السياق ذاته، يأتي إعلان محافظ المصرف المركزي، خلال المؤتمر السنوي لاتحاد المصارف العربية في القاهرة، موافقة دولة الكويت على تأجيل بعض أقساط ودائعها التي منحتها للقاهرة عامي 2013 و2015، والتي تبلغ نحو أربعة مليارات دولار. وقد سُدِّد القسط الأول منها منتصف نيسان الماضي بقيمة 691 مليون دولار، بالإضافة إلى الفائدة نصف السنوية المستحقة بقيمة 25.8 مليون دولار، وذلك بعد موافقة السعودية والإمارات على تأجيل أقساط مستحقة من ودائعهما البالغة 5.33 مليارات دولار.
لعلّ تلك المؤشرات تبدو إيجابية في الظاهر لتقويم مدى نجاح الخطة الاقتصادية، ولكن ذلك يتناقض مع الشعور العام بثقل الأزمة القائمة، ما يقود إلى البحث عن تفسير اقتصادي، يزيل الالتباس عن هذا التناقض.
من هنا يُطرح سؤال بديهي: هل المعلَن من أرقام يعكس تماماً نجاح الخطة الاقتصادية؟ يقول رضا عيسى، الخبير الاقتصادي، في حديث إلى «الأخبار»، إن الحديث عن فائض في الموازنة هو نوع من «الدعاية الرخيصة» التي يُطلقها المسؤولون، فهم يتحدثون عن الموازنة قبل احتساب فوائد القروض، التي إذا احتُسبَت، فلن يكون هناك فائض، بل على العكس سيكون هناك عجز كبير، فالفائض الحقيقي يكون بمقارنة جميع المصروفات، بما فيها أقساط الديون والفوائد، بجميع الإيرادات وليس بطريقة «ولا تقربوا الصلاة...».
هذا الرأي يتفق معه وائل جمال، الباحث الاقتصادي، الذي يشير في حديث إلى «الأخبار» إلى أن ما يتحدث عنه وزير المال هو الفائض الأولي المتوقع في الموازنة الجديدة، وذلك باستبعاد نصف الإنفاق العام تقريباً، ممثلاً في الفوائد وأقساط الديون. ويوضح جمال أنّه «عندما يكون نصف الإنفاق العام تقريباً على بند هو المعرّض للزيادة، ويمثل أكبر المشاكل، فهذا يقلّل جداً من الدلالة الإيجابية للمؤشر، فضلاً عن أنّ التغطية تخلط بين الاثنين. فالحكومة تتوقع عجزاً في الموازنة متفائلاً يزيد على ثمانية في المئة بقليل (أقل بواحد في المئة أو أكثر قليلاً من الموازنة الحالية) على حساب الأجور والدعم والتعليم والصحة، وهي بنود يتراجع الإنفاق الحقيقي عليها بشكل واضح».
أما في ما يتعلق بالاحتياطي النقدي، فيشير رضا عيسى إلى أن الأمر «ليس ناتجاً من المنظومة الاقتصادية من صادرات وإنتاج، بل هو نتاج لودائع وقروض طالب النظام بمدّ أجلها وتأجيل دفع أقساطها كي لا ينخفض الاحتياطي». ويوضح أن «الاحتياطي منفصل تماماً عن المنظومة الاقتصادية، لذلك فهو غير متجدد ولم ينتج منه انخفاض في سعر الدولار، وهو أمرٌ لن يحدث، فهو أشبه بحقن المقويات، التي تعطى للإنسان بديلاً من التغذية الطبيعية والحقيقية».
محافظ البنك المركزي كان أعرب عن تعجبه من التشكيك في حجم الاحتياطي من النقد الأجنبي، وذلك خلال استضافته في برنامج «كل يوم» على فضائية «أون إي»، قائلاً إنّ الـ 44 مليار دولار هو رقم حقيقي بنسبة 100 في المئة، ويجري احتسابه وفقاً للمعايير الدولية، وإن هذا الاحتياطي الكبير يعطي ثقة كبيرة للمستثمر الأجنبي في الاقتصاد المصري ويطمئنه إلى عدم حدوث اضطرابات في السوق تجعله يخسر رأس ماله، علاوة على تأمينه كافة الالتزامات التي تحتاجها الدولة، وخاصة في ما يتعلق بالمشاريع الكبيرة الجاري تنفيذها.
على تلك النقطة، يُعلّق وائل جمال قائلاً إنّه «بمتابعة تطور الاحتياطي النقدي ومقارنته بتطور الدين، نجد أن الديون تزيد بمعدل أكبر، وهو ما يطرح السؤال عن جدوى زيادة الاحتياطي ومصدره. فهل هو من مصادر متجددة مثل السياحة أو الاستثمار الأجنبي في أصول منتجة أو من دخل قناة السويس أم من الاستدانة والأموال الساخنة؟». ويضيف: «بما أنّ الزيادة معتمدة على الاستدانة، فهذا يقلل من معناها بالنسبة إلى الاقتصاد على المدى المتوسط والطويل، كذلك فإنه أحد المؤشرات غير الإيجابية بجانب زيادة الدين الخارجي قياساً إلى الدين المحلي، فبالرغم من أن الدين الخارجي يتميز بفوائد أقل، إلا أن عيبه يتمثل في ضرورة سداده بالعملة الصعبة، علاوة على ذلك، فإنّ هيكل الدين الخارجي يميل أكثر وأكثر إلى الديون المتوسطة والقصيرة الأجل، وهذا ما يزيد من أخطاره أكثر فأكثر».
وكان المصرف المركزي قد أعلن ارتفاع الدين الخارجي لمصر ليصل إلى 82.9 مليار دولار في نهاية كانون الأول الماضي، وفق نشرته لطرح السندات المصرية القومية باليورو التي أصدرها خلال شهر نيسان الماضي، كذلك خُصِّص مبلغ 541.3 مليار جنيه كفوائد على الدين خلال ميزانية عام 2018 – 2019، وفق النشرة ذاتها.
يعلق عيسى على ذلك بالقول إن «الديون تشكل خطراً وعبئاً كبيراً على الموازنة المصرية، وقد حذر منها مندوب صندوق النقد الدولي والعديد من الباحثين والخبراء الاقتصاديين المصريين، الذين طالبوا بوقف الاستدانة».
أما وائل جمال، فيقول إنّ «أرقام الديون الخارجية المعلنة متأخرة جداً، حيث إن آخر أرقام متاحة تعود إلى الربع الأول من العام المالي، وهي تُشكل 36 في المئة تقريباً من الناتج المحلي مقارنة بنحو 16 في الربع في الربع الأخير من السنة المالية 2015 – 2016، كذلك أشارت نشرة طرح السندات باليورو إلى وجود مخاطر من عدم سداد الديون بما فيها الطرح نفسه». ويتابع قائلاً: «بالرغم من أن المستثمرين غطوا الطرح بالكامل، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة ومعترفاً بها، وموافقة بعض الدول على تأجيل أقساطها مؤشر إيجابي، على أمل أن يتحسن الاقتصاد وأن يكون الوضع المالي أفضل، حيث إنه دائماً ما تكون هناك إعادة جدولة الديون، وتيسير شروط السداد تصرف إيجابي بالنسبة إلى الاقتصاد».
إعلان وكالة «ستاندارد آند بورز» رفع التصنيف الائتماني السيادي لمصر بالعملتين المحلية والأجنبية على المدى الطويل إلى من «ب سالب» إلى «ب»، شكل بدوره مؤشراً احتفت به السلطات المصرية للدلالة على نجاعة الخطة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يقول وائل جمال إن تقرير «ستاندارد آند بورز» حسّن التصنيف الائتماني بناءً على تحرير سعر الصرف، وتحسن الحساب الجاري، والزيادة في إنتاج الغاز الطبيعي وفي الاحتياطي النقدي، وقد أشارت وكالة التصنيف إلى تحسن النمو في الناتج المحلي بناءً على الأرقام الحكومية، وتوقعت أن يكون متوسطه 5.4 في المئة سنوياً خلال السنوات الأربع المقبلة.
ومع ذلك، يلفت وائل جمال الانتباه إلى أن وكالات التصنيف الائتماني تنظر عادة من عدسة زبائنها، وبالتالي فهي تركز على القدرة على السداد وحركة رؤوس الأموال.
ويضيف أن «التصنيف من المفترض أنه يُسهم في تقليل تكلفة الاقتراض بحكم أنه يقول إن المخاطر للاستثمار والإقراض أقل، لكن ما حدث في الأيام الماضية من خروج لمستثمري المحافظ نحو الأرجنتين، التي ارتفعت فيها الفائدة على الإقراض لما فوق 40 في المئة، يشي بأنّ هناك مخاطر أخرى قد تغير الصورة، خصوصاً أن تقرير وكالة التصنيف قد تحدث عن ضغوط سلبية قد تحدث إذا فشلت الحكومة في تحجيم الدين، فارتفاع سعر البترول وانسحاب مستثمري المحافظ من الأموال الساخنة عوامل ضغط حقيقية».
بشكل عام، يرى جمال أنه بنظرة عامة إلى مشروع موازنة العام الجديد يمكن رصد أنّ برنامجي تكافل وكرامة لهما دلالتهما الإيجابية، إلا أنهما يحتاجان إلى تقييم شامل، وتدقيق في أرقامهما... أما دون ذلك، فهناك تراجع في الإنفاق الحقيقي لكل البنود ذات الطابع الاجتماعي.