مكث ملك المغرب خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذه السنة أقل من عشرين يوماً في بلاده، وترتب عن غياباته المتكررة والمطولة شلل جزئي للمملكة، كما خلق ذلك وضعية لا تحتمل على المدى البعيد، لأنّ «رأس» الدولة المغربية يمتلك تقريباً كل السلطات. فهل يؤدي به ذلك إلى التخلي عن العرش؟ المسألة صعبة كون ولي العهد في الخامسة عشر من عمره فقط.

(...) هذه المرة، حطّم محمد السادس رقمه القياسي الخاص في التغيب عن البلاد. فإذا كان خلال الأشهر الستة الوسطى من العام السابق من نيسان إلى أيلول 2017، قد قضى ما نسبته 45 في المئة من وقته في الخارج، فقد اقتصر وجوده في المغرب خلال الـ4 أشهر الأولى من 2018، على أقل من 20 يوماً، أي 16 في المئة من وقته (وكان ذلك في الأسبوع الأخير من كانون الثاني، ومن 16 إلى 28 نيسان). من دون الخوض في تفاصيل هذه الغيابات، تذكر الصحافة الرسمية وغير الرسمية بالمغرب أنّ الملك كان في مرحلة نقاهة بعد معالجته من حالة اضطراب في النظام القلبي بواسطة «ترددات الراديو» يوم 26 شباط 2018 في العيادة الباريسية «أمبرواز باري»، علماً أنّ فترة الراحة المعتادة التي يتم وصفها بعد عملية من هذا النوع لا تتعدى الأسبوع.
كالعادة، كانت الإقامة الملكية بفرنسا بين القصر العائلي في «بيتز» في مقاطعة «واز»، وفي حي «ماريه» في باريس، حافلةً بعدد كبير من «صور السيلفي»، خصوصاً مع مهاجرين مغاربة التقى بهم في الشارع، ومع فنانين مثل المغني الكونغولي ميتر جيمس، والفُكاهي جمال دبوز، أو مع باعة متاجر الألبسة حيث يقوم بالتبضع. وكالعادة، يلجأ القصر إلى نشر هذه الصور على قناته غير الرسمية، وهي صفحة «فايسبوك» للشاب المغربي سفيان البحري. لكن في شهر نيسان، عندما وصل التوتر إلى أوجه بين المغرب وخصميه الجزائر والبوليساريو، كما هي الحال دائماً عشية الاجتماع السنوي لمجلس الأمن للأمم المتحدة في شأن الصحراء الغربية، لم ترُق بعض صور الملك، وهو يستمتع في باريس، لجزء من الرأي العام المغربي، وتشهد على ذلك عدة تعاليق منتقدة انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي.
لمرتين، يوما 16 و23 آذار، قرر محمد السادس العودة إلى المغرب، لكنّه غيّر رأيه في اللحظة الأخيرة، وفقاً لما نشرته «مغرب كونفيدونسيال». وفي الواقع، يحدث كثيراً أن يُلغي الملك في اللحظة الأخيرة الترتيبات الثقيلة لانتقاله من فرنسا، أو من مكان آخر، ليمدد إقامته في الخارج، ويحدث ذلك أحياناً وهو على مدرج المطار.
في نهاية الأمر، عاد الملك إلى وطنه يوم 16 نيسان... وخلال 12 يوماً كان جدول أعماله مزدحماً، كما لو أنّه يريد إعطاء الانطباع بأنّه يعمل على تعويض الوقت الضائع.... وكانت أبرز النشاطات الملكية تلك الزيارة التي قام بها يوم 27 نيسان، حين زار مقر «المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني» التي يرأسها عبد اللطيف حموشي، وذلك بهدف تدشين معهد لتدريب عناصرها. لم يسبق أبداً أن انتقل ملك المغرب إلى هذه المقرّات، لكن في الواقع، تُشكّل وزارة الداخلية (وعلى وجه الخصوص «المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني»)، و«جهاز العدالة»، الركيزتين في جهاز الدولة اللتين تواصلان العمل بكامل طاقاتهما، سواء كان الملك في الداخل أو في الخارج. وقد أظهرتا فعالياتهما عندما تعلق الأمر بقمع الاحتجاج في منطقة الريف أو في المنطقة المنجمية في جرادة، أو أماكن أخرى. كان من المناسب إذاً أن يُعبّر (الملك) لهم عن الدعم من خلال الانتقال للقائهم، علماً أنّ عالي الهمة الذي يُطلق عليه أحياناً لقب «نائب الملك» لسعة سلطاته، يقوم بالإشراف هذا ذلك الجهاز الأمني، وهو الذي يقوم أيضاً بتسيير الأمور يومياً.
بعد يومين على زيارته المفاجئة هذه إلى «المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني»، غادر محمد السادس من جديد، وهذه المرة إلى برازافيل لحضور قمة رؤساء الدول للجنة المناخ والأعماق الزرقاء لحوض الكونغو. وبعد ما لا يزيد على 36 ساعة، طار مرة أخرى «نحو جهة مجهولة» وفق الصحافة المغربية التي لا تجرؤ على كتابة أنه أخذ عطلة مرة أخرى.
(...) الغيابات الملكية المطوّلة، والتي تتخللها الإشاعات حول حالته الصحية، تُقلق النخب الاقتصادية والسياسية والأكاديمية المغربية. ولقد أصبح الموضوع حديثاً متكرراً، وإنّما همساً. أصبحت حاشية الملك تعي تدريجاً هذه الوضعية الفريدة من نوعها في العالم، التي لا يمكن أن تُحتمل على المدى المتوسط أو البعيد في بلد ليس في أزمة فقط، بل في حالة من الغليان الاجتماعي. كما أن لدى البعثات الدبلوماسية للبلدان الأوروبية التي تتابع عن كثب شؤون المغرب، التحليل نفسه تقريباً، وهي تشعر بالقلق من ذلك، وفقاً لمصادر دبلوماسية.
يمكن أن يكون التنازل عن العرش حلاً... غير أنّ الظروف ليست مواتية بعد لأخذ هذا النهج. أولاً ولي العهد الأمير مولاي حسن يبلغ من العمر 15 سنة فقط، ويتعين إذاّ إنشاء مجلس للوصاية... سيقوم بممارسة السلطات الدستورية الثقيلة للملك حتى يبلغ ولي العهد سن الثامنة عشرة حيث يتحول مجلس الوصاية إلى مجرد هيئة استشارية حتى بلوغه سن العشرين... كما أن العائلة الملكية لا تمر الآن بظروف ملائمة للبدء في التفكير بالتنازل عن العرش. فهي مهتزة بسبب طلاق بعد 16 سنة من الزواج بين محمد السادس والأميرة لالة سلمى.
(...) لم يسبق لملك علوي أن طلّق زوجته، ويتعيّن أيضاً بالنسبة للعائلة المالكة أن تضمن صمت لالة سلمى مع السماح لها برؤية ابنها والعمل على محاولة الحد من تأثيرها عليه حتى لا تحكم من خلاله عندما يعتلي العرش. المهمة ليست سهلة لأنّ الشاب المراهق أقرب إلى والدته التي عاش معها، منه إلى أبيه الذي لم يره كثيراً، خصوصاً خلال هذه السنوات الأخيرة، حيث أنّ غالبية رحلات الملك تمّت من دون حضور عائلته.
عندما ترفع هذه العوائق، قد يكون الظرف ملائماً للتفكير في التنازل عن العرش.
***
*عن موقع «أوريون XXI» بتصرّف
****
العائلة الملكية مهتزة بسبب طلاق محمد السادس من زوجته