دمشق | الخامسة بتوقيت دمشق، الخامس من رمضان، والواحد والعشرون من أيار عام 2018، بقي ساعتان ونصف ساعة لأذان المغرب، لكنّه موعد مجيء الحافلة التي ستقلّ حسام إلى منزله في منطقة المزة.

ينتظرُ حسام الأحدب (29 عاماً) حافلة المبيت في ساحة باب توما شرق دمشق، لأوّل مرة من دون قلق. يلتقطُ بعض الصور لبائع العرق سوس الذي يقف بجوار «سرافيس باب توما - جرمانا» وتحلّق حوله العشرات من أولئك الذين يودّون إرواء ظمئهم من حرّ نهار طويل.
ينقّل الشاب نظره يميناً ويساراً، ويرفع رأسه حيناً نحو السماء، وأحيانا يخفضه نحو الأرض وهو يرصد الحفر التي خلّفتها قذائف الهاون في ماضي الأيام. ويقول لـ«الأخبار»: «ما كنّا نألف هذا المشهد في هذه الساحة، التي تحوّلت إلى رمز للخوف والموت، الناس هنا اعتادت المشي على عجل، والهرولة في الأماكن المكشوفة، ولا سيّما في تلك الأيام التي تمطرُ فيها السماء بقذائف الهاون، لكن هذه السنة، الهاون رحل قبل مجيء رمضان».
صامت سماء العاصمة منذ مطلع الشهر الكريم عن القذائف بعد تمكّن القوات السورية من السيطرة على غوطتي دمشق الشرقية والغربية، والإجهاز على آخر المواقع الخارجة عن السيطرة في الجنوب، إثر عمليات طاحنة بدأت في 19 شباط/ فبراير، وانتهت باتفاق يقضي بإجلاء المقاتلين المعارضين وذويهم غير الراغبين في المصالحة مع الحكومة السورية.
يمشي حسام يومياً لمدة عشر دقائق تقريباً، من مكان عمله في صيانة الأجهزة المحمولة في حيّ الأمين إلى ساحة باب توما على سور دمشق القديمة، ويُعاين عشرات الصور المعلّقة على الجدران، وأوراق الأموات التي تنعى شباباً قضوا في المعارك، وآخرين قضوا بقذائف الهاون، ويقول مسترسلاً «أعرف ابراهيم، صديق قديم قضى قبل عامين بقذيفة، وهذا محمّد، ذهب إلى جوبر ولم يعد، وذاك جار قديم كان يبيع الغاز على دراجة هوائية، لكن شظايا قذيفة أصابته وقتلته، أعتقد أن هذه القصص باتت من الماضي، وأتمنّى ألا تعلّق صورة جديدة أو ورقة نعوة إضافية».

أعطوني... الكهرباء
ترتّب ميري سعيد جداول المسلسلات التي تودّ متابعتها في الموسم الرمضاني، وتضع لائحة طويلة تشغلُ معظم ساعات النهار والليل، ولا تخشى من أن تفوتها حلقات مسلسلها المفضّل «الهيبة» بجزئه الثاني، بعدما فاتها الكثير منه في العام الماضي «بسبب التقنين الكهربائي». تقول الشابة (26 عاماً) «لا أعطي فرحتي لأحد في هذا الموسم، كهرباء 24 على 24، أشغل المكيّف على درجة حرارة باردة، وأتسمّر أمام التلفاز بانتظار مجيء موعد الإفطار، وأقفز من مسلسل إلى آخر، وهكذا يمرّ الوقت خفيفاً على معدتي».
تعمل ميري في الترجمة من منزلها، وتركت الدوام المكتبي منذ أشهر، بعدما باتت الكهرباء متوفّرة طوال النهار «فلا داعي لتحمّل عناء الطريق والازدحام، طالما أن كل شيء متوفّر في المنزل، فيء ومي وكهربا».

لا تكتملُ طقوس شهر رمضان من دون زيارات متكرّرة لسوق الجزماتية


عانت العاصمة السورية، بشكل أقل من باقي المحافظات، من تقنين كهربائي وصل في العام الماضي إلى انقطاع 18 ساعة في اليوم، الأمر الذي عطّل الكثير من الأشغال، وحرّك سوق المولدات وبدائل الطاقة الكهربائية، وزاد من أعباء الحرّ والصيام. تختم الشابة، التي اعتنت بمظهر وجهها ووضعت للتو صورة على حسابها على «أنستغرام»: «أعطوني كهرباء وإنترنت، وارموني في البحر» في كناية على الاكتفاء الذاتي الذي ترجوه من توفّر التيار الكهربائي وخدمات الإنترنت.
لا تكتملُ طقوس شهر رمضان في دمشق من دون زيارات متكرّرة لسوق الجزماتية في حي الميدان، فهو المطبخ الذي تجد فيه ما لذّ وطاب من المأكولات والمشروبات والحلويات.
ثلاثة شبّان وثلاث فتيات، اخترقوا الجموع وسط ازدحام السيارات والمارة. هنا عليك أن تصغّر من خطوتك وتبطئ كي تتمكن من التسلّل إلى أحد المحالّ المبعثرة على الجانبين. ترفع هاتفك المحمول لتلتقط بعض الصور، وكذلك يفعل معظم الحضور، قبل أن يتقدّم «أبو الطيب» ويحمل بيده قطعة «مبرومة بالفستق» ويقدّمها للمصور ويطلبُ صورة له.
يقولُ أبو الطيب (47 عاماً)، وهو الرجل الذي لا يملّ من دعوة المارة للدخول والتبضّع، «الجميع هنا يأتي ليشاهد ويصوّر، ونحن نقدّم لهم واجب الضيافة، لكن القليل منهم من يشتري، أو بصراحة، قلّة من يتمكّن من الشراء».
يزاحم أبو الطيب السيارات، ويمدّ يده من الشبابيك ليقدّم الحلوى الطازجة للأطفال، على أمل أن يتقدّم الأب أو الأم لشراء كميّات إضافية، الأمر الذي لم يحصل ولا مرة واحدة أثناء وقوفنا لمدّة زادت على الأربعين دقيقة. يشرح الرجل أن «سعر كيلو البرازق أربعة آلاف ليرة، وكيلو المعمول يبدأ بعشرة آلاف، ولا أحد سيفرّط بهذا المبلغ، لذلك اضطررنا الى تنزيل أصناف إضافية أقل جودة، وأقل سعراً».
تقفُ امرأة ستينية لثّمت وجهها، وأمسكت بيدها حفيدتها الصغيرة، واشترت لها قطعة واحدة من «القطايف» وأعطتها إياها على دفعات، قبل أن تتابع مسيرها باتجاه محل آخر، توقّفت أمامه للحظات، ثم تابعت المسير.
استوقفنا الامرأة التي تُدعى أم طارق، واستفسرنا منها سبب تحركها، فأجابت «جاء رمضان بمنتصف الشهر، والراتب يذوب مع نهاية الأسبوع الأول، سأشتري الحلوى لحفيدتي فور نزول راتب زوجي المتقاعد مطلع الشهر المقبل، أما الآن فبصراحة لا يوجد في اليد حيلة ولا مصاري».