لا يزال المشهد السياسي في بلاد الرافدين ضبابياً. نتائج الانتخابات التشريعية ــ على رغم إعلانها ــ لم تحسم خريطة المجلس النيابي الجديد، في ظلّ المشاورات القائمة بين القوائم الفائزة (وعلى رأسها «سائرون» المدعومة من زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر) بهدف تشكيل «الكتلة الأكبر»، التي ستسمي بدورها رئيس الوزراء المقبل. أكثر الأطراف انسجاماً في ما بينهم ــ حتى الآن ــ «سائرون» و«الحكمة» (المدعومة من زعيم «تيار الحكمة» عمار الحكيم). فبعد استقباله الحكيم في الحنانة، حلّ الصدر أمس، ضيفاً على الحكيم، في مكتبه في بغداد، حيث «استكملا مشاوراتهما الثنائية في شأن التحالفات السياسية، وتشكيل الحكومة والكتلة الأكبر». وعلّق الحكيم على اللقاء قائلاً: «(إننا) ناقشنا التحالفات السياسية، وضرورة أن تكون هناك حكومة خدمية ببرامج وأسقف زمنية واضحة»، مضيفاً أن الطرفين شدّدا على «أهمية أن يكون القرار العراقي وفق المصلحة العراقية، وضرورة استمرار وتكثيف اللقاءات بين مختلف الزعامات والقوى السياسية، وصولاً إلى تشكيل الغالبية الوطنية».

انسجامٌ لم يرقَ إلى مستوى خريطة طريق واضحة لتشكيل الكتلة المنشودة، إنما هو عبارة عن «مشتركات» يمكن أن تؤسّس خلال الأيام المقبلة لتحالف يراد له أن يغرّد خارج التأثير الإقليمي وفق ما يرى مراقبون. لكن الثابت أن الصدر والحكيم يظلّان بحاجة إلى شركاء آخرين، بهدف الوصول إلى ما يسمّيانه «تحالفاً عابراً للطوائف». وفي هذا الإطار، تتواصل التحركات على خطّ الصدر - «ائتلاف النصر» الذي يتزعّمه رئيس الوزراء حيدر العبادي. وقد أكد المتحدث باسم «النصر»، حسين العادلي، أمس، وجود تفاهم كبير بين العبادي والصدر، لافتاً إلى أن ائتلافه «منفتح على جميع الكتل بغض النظر عن مسمياتها من أجل تشكيل الحكومة المقبلة». إلا أن هذا «التفاهم» لم يَحِن وقت إعلانه بعد وفقاً للعادلي، بالنظر إلى أن تكتلاً من هذا النوع يبقى هو الآخر بحاجة إلى أطراف إضافية، ومن هنا يتقدم الحديث عن تقارب بين الصدر والحكيم من جهة، وزعيم «القائمة الوطنية» إياد علاوي من جهة أخرى.

تتوجه الأنظار إلى موقف الكتلة الكردية التي تزور وفود منها بغداد


وفي حال صحّت التوقعات بتحالف بين الصدر والحكيم والعبادي (116 نائباً)، إذا استُبعد جدلاً الحديث عن «تفكّك النصر» (وهو أمر وارد نتيجة التركيبة الهجينة لبعض المكونات الفائزة فيه)، فسيكون على هذا الائتلاف استقطاب علاوي ليصبح مجموع نوابه 137، ومن ثمّ البحث عن شركاء أكراد، وآخرين «سنة»، بهدف الوصول إلى 165 نائباً، أي ما يخوّله القدرة على تسمية رئيس الوزراء المقبل. في هذا الإطار، وبهدف تذليل العقبات أمام التحاق علاوي بالائتلاف المنشود، شدد الحكيم، خلال لقائه به أمس، على ضرورة «المضي في حوار مشترك مع القوى التي تؤمن ببرنامجنا» قبل أن يحلّ علاوي ضيفاً على الصدر، حيث ناقشا «أهمية العمل بمبدأ الوطنية الحقيقية، والابتعاد عن كل أنواع الاصطفافات والتخندقات»، وفق بيان صادر عن الصدر. وأشار البيان إلى أن الصدر أكد لعلاوي أن «أولويته هي محاربة الطائفية والفساد، وتثبيت أسس العدالة الاجتماعية، والتنعم بخيرات وموارد البلاد».
وفي حال ضَمِن الصدر انضمام علاوي إليه، فإن هدفه التالي سيكون إيجاد مكوّن كردي، ومن هنا يتم الترويج للقاء محتمل بين زعيم التيار الصدري وبين رئيس «حراك الجيل الجديد» شاسوار عبد الواحد (4 مقاعد)، وإمكانية تحالفه مع «سائرون». أما أربيل، المحسوبة على آل برزاني، فلم تحسم خيارها بعد، لكن من المنتظر أن يتوجه اليوم وفد من «الحزب الديموقراطي الكردستاني» (25 مقعداً) إلى بغداد، للقاء القادة العراقيين («سائرون» و«النصر» و«تحالف الفتح» (الحشد الشعبي) لبحث ملف تشكيل الحكومة، وحسم التحالفات. ويقابل حراكَ الصدر حراكٌ لزعيم «ائتلاف دولة القانون»، نوري المالكي، الساعي بدوره إلى تشكيل «الكتلة الأكبر»، إذ تحدث مدير مكتبه، هشام الركابي، عن وصول وفود كردية إلى بغداد، بهدف انضمامها إلى تحالف «الغالبية السياسية»، مؤكداً «استمرار حوارات ائتلاف دولة القانون مع جميع الكتل». وأرجع الركابي «أسباب تأخر إعلان التحالف إلى رغبة الكتل بإجراء المزيد من الحوارات»، لافتاً إلى أن «جميع اللقاءات التي تجري حالياً لا ترتقي إلى اتفاقات».