منذ مدة ليست بالقصيرة، سقطت ورقة رئيس الوزراء يوسف الشاهد، من أيدي نجل الرئيس التونسي حافظ قائد السبسي، الذي يتولى الإدارة التنفيذية لحزب «نداء تونس». تخلّى عنه مستفيداً من الصراع المبطن تارةً والمعلن طوراً بينه وبين النقابات، ولكن فعل التخلّي لم يُعلن صراحةً إلا يوم أمس، بقول النائب عن «النداء» منجي الحرباوي، إنّ حزبه «ملتزم بما ستفرزه وثيقة قرطاج 2»، في إشارة إلى الوثيقة التي يجري البحث فيها راهناً بين مختلف الأطراف السياسية برعاية الباجي قائد السبسي، في قصر قرطاج، ومن شأن مخرجاتها أن تقود إلى تعديل حكومي.

وكانت «وثيقة قرطاج» الأولى قد وقع عليها في صيف 2016، عدد من الأحزاب برعاية الباجي أيضاً، لتتولى المهام استناداً إليها حكومة الشاهد، خلفاً لحكومة حبيب الصيد الذي لم يفهم أحد عملياً لا كيف أتى ولا كيف رحل، إلا إذا فُسِّر الأمر من زاوية «رغبات النداء وحافظه».
في أي ساعة قد يُعلن عن مخرجات «قرطاج 2» ويُعرف حينه مصير الشاهد، علماً أنّه قبل يوم أمس، كانت الأجواء كلّها تقود إلى أنّ الرجل باق على رأس حكومته. فعلى رغم أنّ حافظ السبسي كان «يصرّ على إبعاده، واضعاً كل ثقله لتحقيق ذلك»، فإنّ «القرار في ذلك يبقى بيد والده الرئيس».
إذا كان يوسف الشاهد قد تحوّل إلى شخصية إشكالية في الشارع التونسي بسبب الرؤية الاقتصادية التي ينتهجها، فإنّ رفض حافظ السبسي له لا يتأتى من هذا المنطلق بطبيعة الحال. المشكلة مع الشاهد «أنّه بدأ يكبر!»، يقول متابعٌ، إضافة إلى أنّ رئاسته للحكومة لم تأتِ لـ«نداء تونس» بالنتائج المرجوة.
في نظر حافظ السبسي، لا مشكلة لديه باستبدال الشاهد الذي يقود مشروعاً اقتصادياً بطابع نيوليبرالي، بأي أحد مقرّب منه من بين رجال الأعمال أو وزراء عهد بن علي، وقد جرى تداول اسمين جديين في هذا الصدد. لكن ما يثيره هذا الأمر أنّ «نداء تونس» يقفز فعلياً من أزمة إلى أخرى، ليؤكد مرة تلو الأخرى أنّه قائم على شبكات يصعب ضبطها.

سارعت وجوه من «نداء تونس» إلى تبرير موقف حافظ قائد السبسي


على الصعيد العملي، لعلّ ما يبقى عائقاً أمام حافظ السبسي لناحية تنفيذ رغبته بإقالة الشاهد، وربما ما يواجهه الرئيس التونسي بدوره، أنّ «حركة النهضة» ومنظمة أرباب العمل أعطتا مؤشرات تفيد بأنّهما مع بقاء الشاهد في منصبه. أما الطرف الذي تتقاطع المصالح معه لناحية الدفع نحو تغيير الشاهد من منصبه، وهو «الاتحاد العام التونسي للشغل»، فإنّه لن يقبل بمرشحي حافظ السبسي إلا بضمانات الأرجح أنّ «السبسيين» لا يمكنهما تأمينها، علماً أنّ هذه النقابة المركزية ذات الوزن الثقيل في تونس تدفع نحو فرض مرشحها، وهو على الأغلب وزير الطاقة الحالي خالد بن قدور.
من جهة أخرى، فعلى رغم المعارضة المشروعة لسياسات يوسف الشاهد، لكن لعلّ المؤسف هو مستوى الخطاب السياسي الذي شهدته البلاد، إذ باتت أحاديث التعديل الحكومي يجري تداولها كما لو أنّ الأمر يتم في بازار مفتوح. كمثال على ذلك، نُقل عن المتحدّثة باسم رئاسة الجمهورية سعيدة قراش، تأكيدها «تأجيل الحسم في بقاء رئيس الحكومة يوسف الشاهد في منصبه من عدمه إلى الجلسة المقبلة لاجتماع اللجنة العليا للأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج، وذلك في ظل وجود اختلاف في المواقف بين ممثليها حول هذه النقطة». فهل يُقدم الشاهد نفسه على الاستقالة كمخرج مشرّف له؟
لا شيء يبدو مستبعداً. لكن ما كان لافتاً أمس، هو خروج المكلّف بالشؤون السياسية في «نداء تونس» برهان بسيس، ليقول إنّ حزبه ومديره التنفيذي يساندان ما ذهب إليه تيار أغلبي في وثيقة قرطاج، يضم الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والاتحاد الوطني للمرأة التونسية والاتحاد الوطني الحر، يطالب بتعديل عميق للحكومة يشمل رئيسها. وتابع بسيس، في حديث مستهجن، قائلاً إنّ «على الذين يريدون مغالطة الرأي العام باصطناع صراع شخصي بين حافظ قائد السبسي ويوسف الشاهد، أن يراجعوا إستراتيجيتهم لأنّ وضع البلاد أصعب وأدق وأخطر من مثل هذه المناورات السطحية».
في السياق نفسه، عاد النائب منجي الحرباوي، لينفي في تصريح إذاعي، وجود خصومة شخصية بين المدير التنفيذي لـ«النداء» ورئيس الحكومة. وأضاف أنّ «الأطراف الموقّعة على وثيقة قرطاج وبخاصة المنظّمات الوطنية هي التي طالبت برحيل الشاهد... وأنّ موقف المدير التنفيذي ينص على أن كل ما يتم الاتفاق عليه بالإجماع من قبل الموقعين على الوثيقة سيتم الالتزام به وتقديم كل التنازلات الممكنة».
المسارعة إلى تبرير مواقف حافظ السبسي، غاب عنها عملياً أنّه بدرجة أولى لولا أزمات الحزب الحاكم في تونس، لما احتاج الأمر لا إلى «وثيقة قرطاج» أولى، ولا إلى «وثيقة قرطاج 2». فهذا النهج التوافقي مع «النهضة» في الحكم، أرساه هذا الحزب الذي تراجع مع الوقت ليصبح الحزب الثاني برلمانياً بعد انشقاقات عدة عصفت به. وبينما يريد هو البقاء مهيمناً على الحكومة، فإنّ «النهضة» وزعيمها راشد الغنوشي يراعيانه لأسباب بات واضحاً أنها مرتبطة باستحقاقي 2019، التشريعي والرئاسي.
لعلّ المستغرب أكثر هو بقاء ما يُسمى «منظمات المجتمع المدني»، على رأسها «اتحاد الشغل»، ضمن هذه التوليفة التي تُعرقل الحكم في البلاد ولا تُسهّل أي حوار مجتمعي، بخاصة على المستوى الاقتصادي الذي لا ينفكّ يزداد صعوبةً، مرحلة تلو أخرى.